اليوم الثاني من الملتقى الدولي للمخطوط

ذخائر نفيسة تخرج من طي النسيان

ذخائر نفيسة تخرج من طي النسيان
  • 153
مريم. ن مريم. ن

كشف اليوم الثاني من أشغال الملتقى الدولي حول التراث المخطوط في الجزائر، المنظم بشعار "طرق الحبر في الجزائر: حضارة وتراث"، عن تعدد أبعاد المخطوط الجزائري من حيث المحتوى العلمي والفقهي، ومسارات تداوله وانتشاره عبر الفضاءات الإفريقية والعربية والإسلامية. ويبرز من خلال مختلف المداخلات، حضور المخطوط الجزائري بوصفه وسيطاً معرفياً، ووثيقةً تاريخيةً، وأداةً من أدوات الوعي الجماعي في مجالات الصحة والفقه واللغة وسائر العلوم.

من بين المساهمات البارزة في أشغال الملتقى، مداخلة الدكتور سمير زريري الموسومة بـ"تدبير الأوبئة وتجليات الوعي الصحي في المخطوط الجزائري"، حيث عرض في هذا السياق مخطوط "إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز من الوباء" لحمـدان بن عثمان خوجة، باعتباره نموذجاً دالاً على سبق جزائري في مجال الوعي الصحي الجماعي، إذ يتناول المخطوط جدلاً علمياً وفقهياً حول مشروعية الاحتراز من الأوبئة، وتطبيق نظام الحجر الصحي (الكرنتينة).

أوضح المتدخل، أن حمدان خوجة اعتمد منهجاً توفيقياً جمع بين مبادئ الشريعة الإسلامية والمعارف الطبية الحديثة في عصره، حيث سعى إلى البرهنة على الجواز الشرعي للحجر الصحي، والرد على المعارضين الذين استندوا إلى فهم حرفي لمسألة نفي العدوى، وإلى مفهوم سلبي للتوكل. وبذلك أسس حمدان خوجة نموذجاً مبكراً لفقه الواقع، وجعل من التدابير الوقائية واجباً شرعياً، يهدف إلى حفظ النفس والمجتمع، بدلاً من النظر إليها بوصفها تشبهاً بغير المسلمين.

لم يقف العرض عند حدود قراءة المخطوط، بل امتد إلى تقديم لمحة مركزة عن شخصية حمدان بن عثمان خوجة في أبعادها العلمية والثقافية والسياسية. فقد جرى التذكير بكونه يتقن ست لغات، ومتمكناً من علوم الدين واللغة، إلى جانب تمتعه بثروة واسعة ومكانة اجتماعية مرموقة، جعلته قريباً من الداي حسين ومن السلطان العثماني في إسطنبول. ما أتاح له موقعا متميزا في الحقل العلمي والسياسي لعصره.

في محور آخر من الجلسات، قدم الدكتور أحمد جعفري من الجزائر محاضرة بعنوان "المخطوطات الجزائرية في الخزائن والمكتبات الإفريقية"، عالج فيها وضعية المخطوطات الجزائرية المحفوظة في مختلف خزائن ومكتبات المدن والحواضر الإفريقية. وأشار الباحث إلى أن هذه المؤسسات تزخر بآلاف المخطوطات التي ألفها أو نسخها علماء جزائريون من مناطق متعددة من البلاد، مبرزاً أن هذه الدراسة جاءت ثمرة رحلات وبحوث ميدانية، هدفها حصر جانب من هذا التراث والتعريف به وفهرسته.

اختتم المتحدث مداخلته، بالدعوة إلى ضرورة الاستمرار في عمليات الحصر والفهرسة والدراسة والتحقيق للمخطوطات الجزائرية الموجودة في المكتبات والخزائن الإفريقية، باعتبار ذلك خطوة أساسية في مسار الحفاظ على التراث الوطني، وإنصاف العلماء الجزائريين الذين تركوا آثاراً علمية قيمة خارج الحدود الجغرافية للجزائر. على هامش الجلسات، تحدثت "المساء" مع الأستاذ الباحث نذير الشلالي من عنابة، الذي استفادت خزانة عائلته من مشروع ترميم أنجزه مركز المخطوطات بتلمسان. وقد أبرز المتحدث أن مدينة عنابة حاضرة في معرض الملتقى بمخطوطين اثنين، يمثلان نموذجاً لما تختزنه الخزائن الخاصة من ذخائر نفيسة. يتعلق المخطوط الأول بنسخة خزانية من كتاب "مجمع البحرين" في الفقه الحنفي، كتبت بأمر من أحد الأمراء العباسيين، ونسخت سنة 784 للهجرة الموافق لسنة 1384 للميلاد. وقد وقف هذا المخطوط من طرف الباي حسن بوحنك على الجامع الأخضر بقسنطينة، وظل محفوظاً على رفوف خزانة جامع صالح باي إلى أن اكتشفه الباحث نذير الشلالي، خلال خروج اللجنة الولائية للمخطوط لإحصاء مخطوطات مدينة عنابة. أما المخطوط الثاني، فهو نسخة من مولدية الشيخ الصالح بن مهنا الأزهري القسنطيني، نسخت سنة 1371 للهجرة الموافق لسنة 1952، بخط يد عبد المجيد بن المرحوم سيدي ابريك بن المرحوم حمو بستانجي القسنطيني. وقد أُرفق هذا العرض بتعليق بصري على صورة جانب من الحضور، بما يعكس الاهتمام الشعبي والعلمي بهذه الفعاليات. في سياق موازٍ، سلطت جلسة علمية بعنوان "جرد المخطوطات الجزائرية بالخزائن الخاصة والمكتبات العامة وطنياً وعالمياً" الضوء على إسهامات العلماء الجزائريين عبر التاريخ في نشر المعارف بمختلف حواضر العالم الإسلامي، وفي حقول علمية ودينية ولغوية متعددة. حيث أكد المتدخلون أن المخطوطات الجزائرية المتواجدة في الخزائن الخاصة والمكتبات عبر العالم الإسلامي تمثل شواهد على عمق الروابط الثقافية والعلمية بين الجزائر وبقية الأقطار، وأن جرد هذا التراث وتصنيفه وفهرسته يشكل خطوة ضرورية لفهم مسارات إنتاج المعرفة وتداولها في الفضاء الإسلامي.

في مداخلة بعنوان "المخطوطات الجزائرية في الخزائن والمكتبات الموريتانية"، عرض الدكتور محمد الأمين بن أبد من موريتانيا، مساهمة وُصفت بأنها ذات قيمة وثائقية عالية. فقد أكد الباحث على القيمة العلمية الكبيرة للمخطوطات الجزائرية، وأهميتها باعتبارها "شواهد تاريخية" ممتدة عبر العصور، مشيراً إلى الدور الذي تؤديه هذه الوثائق في البحث العلمي والتاريخي.

وفي عرضه لعينة من المخطوطات الجزائرية المتواجدة بالخزائن الموريتانية، بين أن هذه النصوص تشهد على عمق الروابط العلمية والثقافية بين بلاد شنقيط والجزائر، والتي تجلت في انتقال هذا الإرث وتداوله بين الحواضر العلمية في المغرب الإسلامي عبر حركة القوافل العابرة للصحراء. كما لفت إلى أهمية الفهرسة الحديثة كأداة لتحسين الوصول إلى هذا التراث وتنظيمه، بما يساهم في تسهيل دراسة المكونات الجزائرية ضمن الخزائن الموريتانية من قبل الباحثين المتخصصين.

من جهة أخرى، أبرز الباحث عبد المجيد بغدادي من باكستان، في مداخلته القيمة العلمية للمخطوطات الجزائرية الموجودة في مكتبات شبه القارة الهندية، وخاصة مكتبة "كنز بخش" في باكستان والهند. وتضم هذه المكتبة مخطوطات تغطي مجالات متنوعة، من بينها الفقه المالكي والتصوف والتفسير وأصول الفقه واللغة والأدب، وهو ما يعكس، حسب المتدخل، ثراء النتاج العلمي الجزائري وانتشاره خارج موطنه الأصلي.

كما أشار الباحث إلى وجود مخطوطات أخرى لعلماء جزائريين في مكتبات باكستانية متعددة، ما يكشف عن عمق الروابط العلمية والثقافية بين المغرب الإسلامي وشبه القارة الهندية عبر الرحلات العلمية وشبكات التجارة. ومن بين المخطوطات البارزة التي وقف عندها، مخطوطة "شرح السنوسي" للإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، أحد أبرز علماء العقيدة في الجزائر ومن كبار أئمة المدرسة الأشعرية، الذين كان لهم دور حاسم في ترسيخ علم التوحيد في السياق المغاربي وما وراءه.

في إطار تتبع مسارات انتشار المخطوط الجزائري، قدم الدكتور إبراهيم باجس عبد المجيد المقدسي مداخلة بعنوان "المخطوطات الجزائرية في مكتبة الحرمين الشريفين". ركز فيها على تتبع مظاهر الإشعاع العلمي الجزائري في كبرى خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي، وخاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس. وأكد الباحث في هذا السياق، إسهام العلماء الجزائريين في التدريس ونشر العلوم في هذه المراكز العلمية المقدسة.

وأشار عبد المجيد إلى وجود عدد معتبر من مؤلفات علماء الجزائر في فهارس مكتبة الحرم المكي الشريف، تغطي مجالات متعددة، مثل الشريعة واللغة والأدب والتاريخ. ودعا في ختام مداخلته إلى مزيد من البحث في المخطوطات الجزائرية داخل المكتبات الأخرى في مكة والمدينة، بهدف إبراز هذا التراث العلمي وإعادة دراسته وتحقيقه، بما يسهم في إعادة إدماج هذه النصوص في خريطة البحث المعاصر.