المخطوط الأمازيغي بالحرف العربي

ذاكرة أمة ورهان وطني لصون الهوية وتعزيز التكامل الثقافي

ذاكرة أمة ورهان وطني لصون الهوية وتعزيز التكامل الثقافي
  • 207
ن. ج ن. ج

شكّل الملتقى الوطني الموسوم بـ"المخطوط الأمازيغي المدوَّن بالحرف العربي” المنظّم ببلدية بوسمغون بالولاية المنتدبة الأبيض سيدي الشيخ، أوّل أمس، محطة علمية وثقافية بارزة، عكست وعيا وطنيا متقدّما بأهمية صون التراث الجزائري بمختلف مكوّناته، وتعزيز التكامل بين روافده الحضارية.

ففي كلمته خلال افتتاح فعاليات هذا الحدث، أكّد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، سي الهاشمي عصاد، أنّ اختيار موضوع المخطوطات الأمازيغية المدوّنة بالحرف العربي، “ليس خيارا عارضا، بل تعبير عن رؤية وطنية واعية، تستحضر وحدة التراث الجزائري، وتكامل مكوّناته”، مبرزا أنّ هذا التوجّه يندرج ضمن التزام الهيئة بالمساهمة الفعلية في حماية التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي، وصونه، وتثمينه، ونقله إلى الأجيال القادمة.

وأوضح عصاد أنّ المخطوطات تمثّل “ذاكرة أمة، وسجّلا حيا لمسيرة العلم والفكر والإبداع في الجزائر عبر القرون”. كما تعكس التفاعل التاريخي العميق بين اللغتين العربية والأمازيغية في إنتاج المعرفة وتداولها بما يجسّد وحدة الشخصية الجزائرية، وتعدّد روافدها الثقافية. كما أشار إلى أنّ اختيار بوسمغون لاحتضان هذا الملتقى يحمل رمزية تاريخية وثقافية؛ باعتبارها أحد المعاقل الراسخة للذاكرة الوطنية.

وجاء تنظيم هذا الملتقى بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني للكتاب والمكتبة المصادف للسابع من جوان من كل سنة. وهي ـ حسب المسؤول ـ المناسبة التي أراد لها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن تكون محطة سنوية للاحتفاء بالكتاب، وترسيخ ثقافة القراءة؛ باعتبارها ركيزة أساسية لبناء الجزائر المنتصرة. 

وفي ختام كلمته، شدّد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، على أنّ مسؤولية حماية التراث الوطني هي مسؤولية جماعية، تتقاسمها المؤسّسات والهيئات والأفراد، مؤكّدا أنّ صون هذا الإرث الثمين ونقله إلى الأجيال القادمة، يتطلّب تضافر الجهود، وتكامل المبادرات في إطار رؤية وطنية موحدة. من جهته، أكّد الوالي المنتدب للولاية المستحدثة الأبيض سيدي الشيخ، مؤدن عبد ربي، أنّ تنظيم هذا الحدث يندرج ضمن “الرؤية الوطنية الحكيمة، الرامية إلى صون وتثمين التراث الثقافي الوطني، وتعزيز مكانة اللغة الأمازيغية كأحد المقوّمات الأساسية للهوية الوطنية”، مشدّدا على أنّ المخطوط الأمازيغي يمثّل جزءا أصيلا من هذا التراث بما يحمله من معارف، وتقاليد، وقيم إنسانية متوارَثة.

وأضاف أنّ هذا الملتقى يشكّل فضاء علميا متميّزا لعرض ودراسة المخطوطات الأمازيغية من مختلف مناطق الوطن. كما يتيح تبادل الخبرات بين الباحثين والمختصين، خاصة في مجالات جمع المخطوطات، وفهرستها، وترميمها، وحفظها وفق أحدث المناهج العلمية، وصولا إلى رقمنتها بما يتماشى مع التحوّلات التكنولوجية الراهنة، ومتطلّبات المحافظة المستدامة على التراث الوثائقي.

وقد عرفت هذه التظاهرة مشاركة نوعية من نخبة من الأكاديميين والباحثين ومخابر البحث والمؤسّسات العلمية والجمعيات المهتمة بالتراث، إلى جانب أصحاب خزائن المخطوطات، حيث تم برمجة جلسات علمية على مدار يومي الأحد والإثنين، تناولت خمسة محاور رئيسية، من بينها المخطوط الأمازيغي في سياقه التاريخي، والخصائص اللغوية الفيلولوجية، وعلاقته بالدين والمجتمع، إضافة إلى قضايا الحفظ والتثمين، ومحور الرقمنة، واستراتيجيات النشر.

كما تضمّن البرنامج عددا من المحاضرات المتخصّصة، على غرار “المخطوطات ودورها في صيانة الذاكرة الوطنية”، و"الذكاء الاصطناعي والأرشيف المخطوط”، و"الرقمنة في خدمة المخطوط الأمازيغي”، إلى جانب دراسات تطبيقية حول نماذج من المخطوطات في مناطق مختلفة من الجزائر، بما فيها بني سنوس، وبجاية، وبوسمغون، فضلا عن التراث الإباضي.

وعلى هامش الملتقى، احتضنت الساحة المحاذية لإقامة بلدية بوسمغون “دار شهداء 12 أبريل 1958”، معارض متنوّعة، شملت الكتب والمخطوطات الأمازيغية، والحرف والصناعات التقليدية، والفنون التشكيلية، بمشاركة واسعة من مؤسّسات وجمعيات وفاعلين في مجال التراث، إضافة إلى مبادرات رمزية مثل تسمية مرافق عمومية باللغتين العربية والأمازيغية، وتدشين جدارية بعنوان “الأمازيغية والعربية جسور متحاورة”.