عواوش بن سعيد تروي تراث القصبة
دعوة لصيانة الذاكرة من التزييف والتشويه
- 921
مريم. ن
استضاف فضاء النشاطات الثقافية "بشير منتوري"، مؤخرا، ضمن فعاليات شهر التراث، السيدة عواوش بن سعيد للحديث عن تراث وتقاليد العاصمة، مع وقفة عند لعبة البوقالات العريقة، مطالبة بعدم تشويه وتزييف هذا الإرث باسم العصرنة. كما كانت المناسبة فرصة للقراءات الشعرية من أسماء بارزة في الشعر الشعبي بالدارجة العربية والأمازيغية.
تناولت السيدة عواوش ابنة القصبة (المهتمة بالتراث والملقبة بـ"لالة عواوش"، كما إنها مستشارة بيداغوجية وفنانة تشكيلية) بعضا من ماضي القصبة الخاص بالعادات والتقاليد، الذي هو جزء من التراث، والهوية الجزائرية.
تراث مرصّع بالقيم وجميلِ الكلم
قالت المتحدثة إن نساء القصبة " زمان " ، كنّ يُعرفن بالكلمة الطيبة، والأخلاق في المعاملة. وكن يلجأن إلى "المعاني" (الإيحاء في القول) بدل "المعايرة" ؛ لذلك تفنّن في فن الكلام، مؤكدة أنّ لكل طائر بيئته التي تربى فيها؛ فالطائر الحر لا يمكن أن يتربى في "السجنة" (الخم)، والعكس صحيح. ثم قالت إن البوقالة ليست شعرا حرا ولا فصيحا، كما يتم عرضها أحيانا اليوم، في بعض المناسبات الاجتماعية، بل هي بالدارجة وفقط.
وتوقفّت السيدة عواوش مطوّلا عند العادات والتقاليد العاصمية؛ منها العرس، والخطبة كتراث زاخر، تتميّز به الجزائر عن غيرها. ولهذه المناسبات كلام خاص وراق؛ منه مثلا "جيناكم بالحسب والنسب نطلب ابنتكم الشريفة" . والخُطّاب لا يشربون القهوة إلاّ عند موافقة أهل العروس. وفي حال الرفض لا يشربونها. وكانت مناسبة "قطع الشرط" أي تحديد المهر، لا تُذكر فيها المبالغ الخرافية، ولا الاعتماد على الذهب كشرط للزواج، بل كانت تردَّد عبارة "الهنا غلب الغنى" . ولم يكن هناك شيء يسمى "المهيبة" كأيامنا هذه. وكان يُكتب عقد الزواج ليلة الحناء. وكان الكسكسي سيد الأطباق. ومن أدوات العروس "الطبق الخوخي" أي العلبة الكبيرة التي توضع فيها لوازم الحناء؛ من سكر، وبيض ملوّن، ومرآة، وقطعة ذهبية (لويزة)، مع حضور القريبات فيها، وكذا العازبات، وغيرها الكثير من التفاصيل؛ مثل يوم الحمّام (معروف حمّام 14 بالقصبة)، وفطور العروسة، وأعراس السطوح مع مريم فكاي، وفضيلة الدزيرية، والعنقى، وقروابي، والعشّاب، وغيرها كثير. وكذلك الحال مع أفراح الختان. وفيها يظهر الحجام، وشاشية الدراهم.
وتناولت المتحدثة بعض المناسبات الأخرى؛ منها رمضان الذي يشهد عمليات تبييض الجدران بالقصبة بالجير والنيلة، وتحضير المقطفة، ومقرون الترك، وكذا تجفيف بعض الخضر والفواكه واللحوم (منها الديك الرومي) ووضعها في لقساط (العلب)؛ استعدادا لهذا الشهر الفضيل. ومن بين ما جاء في الحديث أيضا "عرس القاعة" (عرس بدون العرسان ولا طفل مختن) والخوارة والسادان، مع استعراض بعض الحرف؛ منها "التليليف الأندلسي" ، وهو نوع من الطرز.
البوقالات تتعرّض للتشويه والشعوذة
قرأت السيدة عواوش بعض البوقالات القديمة في القصبة، وقالت إن هذا التراث وغيره يتعرّض، اليوم، للتشويه. والبوقالات وصل الأمر بها إلى استغلالها في الشعوذة. ثم استعرضت طريقة نساء زمان في لعبها ابتداء من تحضير الإناء الطيني، وجمع الماء من 7 عيون، ثم التقاء النساء ليلا كما يحملن معهن طبقا من الأكل أو الحلويات، ويتم تبخير المكان وتعطيره مع ذكر بعض الكلمات منها "بخرناك بالجاوي جبيلنا الخبر من القهاوي. وبخرناك بالحنة جيبيلنا الخبر والهمة. وبخرناك بالزيت جيبي أخبار كل بيت. وبخرناك بالشلخ جبيلنا اخبار الحجاج" . ثم يقال "بسم الله بديت وعلى النبي صليت، وعلى الصحابة رضيت، وبالورد والزهر عند بابكم رشيت، وبهد البوقال ليكم جيت"، مؤكدة أن البوقالة هي من الشعر الشعبي، بعضها مثلا من ديوان الشيخ المجذوب، عكس اليوم الذي يقال فيها كلام عام واعتبار ذلك من أقوال زمان أو أمثال شعبية وغيرها من الخلط.
التراث تاريخ ورجال
تخلّلت هذه المحاضرة قراءات شعرية متنوعة، استهلها الشاعر المعروف والباحث في التراث رشيد رزاقي ابن القصبة، الذي قرأ عن الماضي الجميل من ذلك "البهجة" . وقال: "بسم الله كلامي ظريف من بير جباح لمحمد شريف" . ثم غنى مواويل في الشعبي العاصمي وكذا في فن أشويق. وقبل تدخّله قال لـ"المساء" إنه يكتب الشعر بالدارجة العربية، وبالفرنسية، والأمازيغية. وبمناسبة شهر التراث يحاول أن يكرّم القصبة في معالمها المادية وغير المادية، إضافة إلى تكريم شخصيات ارتبطت أسماؤها بالقصبة؛ منهم عبد الحليم بن سماية الفارس، الذي كان يمتطي حصانه الأبيض ويتجوّل به في القصبة. وهناك أيضا محمد بن شنب العالم الذي كان يؤطر طلبة الدكتوراه بالسربون. وكذلك الحال مع عبد الرحمن الجيلالي رجل التاريخ والثقافة والمسرح والموسيقى الأندلسية، وكل هؤلاء وغيرهم يمثلون القصبة، علما أنه جاء بعدهم جيل آخر حقق الانتصار، وهزم الاحتلال، وتربى في كنف الحركة الوطنية التي ضمّت كل أبناء الوطن الواحد. وقال: "أصبحت حسيبة بن بوعلي ولابوانت وغيرهما رمزا للقصبة رغم أنهم ليسوا من أبنائها، علما أن القصبة تحوي كل مناطق الجزائر" . كما توقف محدّث "المساء" عند جهود ياسف سعدي في حفظ التراث الثوري للقصبة، وكذلك حيمود إبراهيمي الذي اعتبر القصبة معشوقته من فرط حبه لها.
وصرح الشاعر بأنه سيصدر في الأيام المقبلة، كتابه "كيف المنام" عن دار حبر، وبمقدمة كتبها الإعلامي مهدي براشد، مؤكدا أن التراث أمانة يوصلها كل جيل لآخر؛ قصد بناء الشخصية والهوية.
أما الشاعر مسعود طيبي فأكد لـ"المساء" أنه مرتبط بالتراث الشعري الشعبي، موضحا أن التراث يستطيع التأقلم مع الحداثة، بينما العكس غير معقول. وحين صعوده للقراءة شبّه الحضور الشاعر بالفنان الكبير الراحل علي فضي، مستحضرا اعتناء المرأة الجزائرية بالنباتات ابتداء من السقيفة حتى وسط الدار، ثم قرأ للمرأة الأم.
كما قرأ الشاعر كمال شرشار في التراث، وفي جمال عاداتنا وتقاليدنا، ليُختتم اللقاء مع الشاعر احسن بقريش، الذي قرأ بالأمازيغية قائلا لـ"المساء" إنه اختار أن يشارك بقصيدة عن "غزّة" الجريحة؛ كوقفة تضامن منه مع شعبها الأبيّ، وكتنديد بالمنكر الحاصل، مؤكدا في هذه القصيدة إدانته للاستعمار الطامع في خيرات الشعوب، واعتماده سياسة التقتيل بأسلحته الفتاكة، متجاوزا كل القوانين والأعراف، ليرثي الشاعر غزة والقدس التي هي وحدها تواجه القهر، مع عجز حتى الأمم المتحدة في فرض الأمن والحق رغم الأصوات المندّدة، منها صوت الجزائر، لكن اليقين يقول إنّ لكل فرعون موسى، وسيغرق الظلم في البحر. كما أشار المتحدث إلى أنه يكتب عن الروابط الأخوية بين الجزائريين؛ فرغم الاختلاف إلاّ أن الجميع من أبناء الجزائر يقفون في صف واحد موحد أمام أيّ عدو؛ تماما كما حدث في سنة 1963.