في ملتقى عن "دوره في التنمية الاقتصادية المستدامة "
دعوة لتأسيس علم الاقتصاد الثقافي في الجامعة الجزائرية
- 821
مريم. ن
احتضنت كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير، مؤخرا، أشغال الملتقى الدولي "الاقتصاد الثقافي ودوره في التنمية الاقتصادية المستدامة ... أسس علمية وتجارب دولية". وهو مجال لم يحظَ بعد بالاهتمام الكافي في البحث العلمي في بلادنا رغم أهميته واعتباره مولّدا للثروة، ناقش فيه الخبراء مقوّمات هذا الاقتصاد، ومدى تفعيله على أرض التنمية المستدامة.
أشرف على الملتقى مخبر الصناعات التقليدية لكلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير؛ حيث أكد نائب عميد الجامعة البروفسور رياض عبد القادر في كلمته الافتتاحية، أن الجزائر تُعدّ من أغنى الدول في التراث الثقافي، ولا بد من إرساء اقتصاد ثقافي، من شأنه تعزيز التنمية المستدامة في بلادنا؛ ما يعزّز مكانة الجزائر الاقتصادية على الساحة الإقليمية والدولية. وتضمّن الملتقى الذي امتد ليومين، نشاطات مكثفة، منها محاضرات وتدخلات عن بعد، ومشاركة 35 جامعة وطنية، و6 جامعات أجنبية، وجلسة خاصة بالذكاء الاصطناعي.
الثقافة رأسُ مال منشئ للثروة
تناولت رئيسة الملتقى الدكتورة شفيقة صديقي، في كلمتها، أهمية الثقافة ليس فقط كوسيلة لترسيخ الهوية، بل يتعدى دورها ذلك، ليصبح رأس مال منشئ للثروة؛ شأنها شأن الموارد الطبيعية التي تحقق الثروة للمجتمع، مؤكدة أن نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبناها أغلب الدول المتقدمة، يعتمد على استغلال كل القطاعات ذات المقومات المادية والبشرية، والتي من شأنها خلق الثروة للبلد وتنميته، مشيرة إلى أن الدول الكبرى تهتم إلى جانب قطاعاتها الاستراتيجية، بالقطاع الثقافي، وهذا لسببين: السبب الأول: يعكس القطاع الثقافي الخصوصيات الثقافية، وهوية البلد. والسبب الثاني: كونه قطاعا اقتصاديا مولّدا للثروة، ومحركا لقطاعات اقتصادية أخرى.
وقالت الدكتورة إن اليونسكو أكدت مدى اهتمام الدول المتطورة بهذا المجال. وحسب تقرير 2022، فإن مداخيلها من هذا القطاع، بلغت 2250 مليار دولار، ويعمل فيه 30 مليون شخص، وبخدمات تقدر بأكثر من 389 مليار دولار. وكل ما يتم جنيه يعود بنسبة 95 ٪، للدول المتقدمة، مؤكدة أن من يتحكم في إنتاج الثقافة هو من يسيّر العالم.
وعن أهداف الملتقى أشارت صديقي إلى العمل على التعريف بالقطاع الثقافي، كقطاع اقتصادي وثقافي وفق مقاربات الاقتصاد الثقافي، وكذا تحديد الإطار المفاهيمي للمنتجات الثقافية، وربط قطاعها بالتنمية المستدامة، وتبيان الدور المحوري للاقتصاد الثقافي في تنشيط القطاعات الأخرى؛ كالسياحة الثقافية، والمساهمة في التربية وتحسين الذوق الاجتماعي.
وفي شق آخر ذكرت ضرورة تشخيص واقع القطاع الثقافي في الجزائر، ومدى إمكانية الاستفادة من تجارب الدول الرائدة في هذا المجال؛ بتحديد الآليات المناسبة لتفعيل الاقتصاد الثقافي، مع عرض أسباب التراجع عندنا، وتحديد الآليات، ومن ثمة تأسيس علم الاقتصاد الثقافي في الجامعة، كما هو الشأن في باقي جامعات العالم، وجلب الباحثين إليه، مع تكوين مختصين لتوجيه السياسات الثقافية بتطوير البحث العلمي، والتعاون بين عدة قطاعات أخرى.
استثمار جوهره الإبداع
أما البروفيسور امحند السعيد أوكيل، فتطرق في مداخلته، لأهمية الصناعات الثقافية في تطوير الاقتصاديات والمجتمعات العربية والإسلامية؛ كتوليد إيرادات، وتوفير فرص اقتصادية في الاستثمار والتشغيل. وأشار إلى آفاق السياحة الإسلامية كاقتصاد قوي، عملت به مجتمعات إسلامية؛ مثل ماليزيا وتركيا، وحضّت بالنجاح فيه عن طريق عنصرَي الإبداع والابتكار، مؤكدا بذلك أن الثقافة هي مصدر الهوية، والانتماء، والتواصل؛ باعتبارها عنصرا جوهريا في التنمية البشرية.
كما توقف المتحدث عند الخصائص الاقتصادية للنشاط الثقافي؛ منها الملموسة وغير الملموسة؛ أي المادية، والأخرى الرمزية الإبداعية ذات الجودة، وأن المقاولاتية الثقافية تختلف عن غيرها؛ لأنها مبنية على الذكاء والمعارف، مشيرا إلى أن الخدمات الاقتصادية الثقافية مهملة في الجزائر، وتنقصها الديناميكية والتسويق. وفي آخر مداخلته أعطى توصيات، أبرزها تكوين إطارات في الاقتصاد والصناعات الثقافية، ليكون تخصصا يدرَّس في الجامعة.
مطلوب جدوى اقتصادية
تحدّث البروفيسور مخلوف بوكروح عن "الاقتصاد السياسي للفنون.. أشكال تدبير الحقل الثقافي". وقال إن المجال الثقافي غائب ومهمَّش في الجامعة الجزائرية، ولا مخابر متخصصة فيه. وأكد أن الاقتصاد الثقافي، اليوم، يرتكز على الجدوى الاقتصادية، متوقفا عند الدور الذي تلعبه الدولة خاصة في طرق الدعم، مع اعتماد السوق وآلياته في تقييم المنتوج الثقافي، مستعرضا إخفاق دول العالم الثالث في ما سبق، في إدراج الثقافة ضمن التنمية، ليصل بعدها إلى العقد العالمي للتنمية الثقافية الذي تبنّته اليونسكو في 1998. كما ألحّ المتدخل على ضرورة تقويم المشاريع؛ من خلال إدخال المعيار الثقافي. وأضاف أن قيمة المنتوج الثقافي لا تخضع، بالضرورة، لقوانين السوق؛ بسبب خصوصيته، خاصة المعنوية.
الثقافة محرّك للتنمية بتعدد الشركاء
أشار الخبير الدولي الدكتور عمار كساب (عن بعد من جنوب إفريقيا) من الصندوق الإفريقي للفنون والثقافة، في مداخلة بعنوان "نحو منظومة جديدة لتفعيل الاقتصاد الثقافي: المناخ المناسب للفنون"، إلى أن الثقافة أصبحت محرّكا للتنمية في العالم. وهي فكرة ليست جديدة، ظهرت في الستينيات، كما كان للجزائر نصيب فيها من خلال المهرجان الإفريقي سنة 1969 حيث ربطها بالتنمية. وأضاف أن الاقتصاد الثقافي بإفريقيا ارتبط، دوما، بالدولة، وبسياساتها الثقافية، لكن هذه السياسات، حسبه، بقيت معبّرة عن الثقافة الرسمية في غياب أطراف فاعلة أخرى.
وقال إن الاقتصاد الريعي لا يخدم تطور الاقتصاد الثقافي؛ لأنه لا يقوم على تحقيق الربح وسياسة السوق، وبالتالي لا صناعة ولا خدمات ثقافية. كما أوضح أن الثقافة ذات طابع خاص، وقيمتها غالبا ما لا تكون ملموسة؛ فهي تقوم على الإبداع، حاثا على إشراك القطاع الخاص في الجزائر للنهوض بها، ووضعه في قلب المشاريع والاستراتيجيات، ليفصل بعدها في "المحيط الملائم للفنون". كما أكد أن إفريقيا والشرق الأوسط لا يمثلان سوى 4 ٪ من الصناعات الثقافية في العالم.
ومن جانبها، قدّمت الدكتورة صديقي عرضا عن "التصور الاقتصادي للمنتوجات والصناعات الثقافية من منظور علم الاقتصاد الثقافي"، بيّنت فيه أن هذا المفهوم الاقتصادي تم تثمينه في بداية القرن 21، خاصة مع المفكر الأسترالي ديفيد تروستي، الذي أسس علم الاقتصاد الثقافي، وتحدّث عن إنتاج واستهلاك الفنون.
وفي الجلسة الثانية، سُلط الضوء على علاقة الجامعة بالمحيط الخارجي للمنظومة البيئية والمقاولاتية، والرقمنة؛ حيث عرض مدير مختبر الصناعات التقليدية محبوب بن حمودة، رؤيته حول الجهود الجزائرية المستمرة للمحافظة على الحِرف الثقافية والتراثية. كما سلّط الضوء على التقنيات الفنية التقليدية، ودورها الحيوي في الحفاظ على الهوية الثقافية للبلاد.
وعن النهوض بالاقتصاد الثقافي: الاستراتيجيات والآليات من منظور وزارة الثقافة والفنون، قدّم مدير المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري محمد بوكراس، استراتيجيات وآليات للنهوض بالاقتصاد الثقافي في الجزائر، مستعرضا بذلك الجهود التي تبذلها الوزارة لدعم الفنانين والحرفيين، وتعزيز صناعات الفنون والثقافة كمحرك للتنمية الاقتصادية.