صدور كتاب جديد للدكتور محند طاهر بلعروسي
دعوة إلى نهضة قائمة على المعرفة
- 142
ل. د
صدر للدكتور محند طاهر بلعروسي كتاب "العلوم والتكنولوجيا والابتكار: مفاتيح النهضة"، في طرح جديد يسلّط الضوء على أهمية المعرفة والبحث العلمي في بناء قوّة الدول ومواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. ويقدّم المؤلّف قراءة معمّقة لواقع منظومة البحث العلمي في الجزائر، كاشفا عن أبرز العراقيل التي تعيق تطوّرها، مقترحا رؤية استراتيجية قائمة على الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة. كما يدعو الكتاب إلى الاستثمار في الكفاءات الوطنية وجعل العلم محورا أساسيا لتحقيق النهضة والتنمية المستدامة.
ورد في غلاف كتاب الدكتور محند طاهر بلعروسي الموسوم بـ«العلوم والتكنلوجيا والابتكار. مفاتيح النهضة" أنّه في مواجهة التغيّرات السريعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أصبحت العلوم والتكنولوجيا والابتكار ركائز القوى الناشئة في القرن الحادي والعشرين. كما يُشكّل البحث والتطوير اليوم أداة لا غنى عنها لبناء مجتمعات ذات سيادة ومرنة وشاملة.
في هذا الكتاب الواضح والملتزم، يقدّم المؤلف تشخيصا متعمّقا للنظام الوطني للبحث العلمي في الجزائر، في سياق تاريخي ودولي. ومن خلال تحليل دقيق، يسلّط الضوء على العقبات المؤسّسية، والخيارات السياسية المتقلّبة، وغياب الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. لكنّه يقترح قبل كلّ شيء مسارا طموحا لإعادة البناء، متجذّرا في واقع البلاد.
استنادا إلى التجارب الناجحة على الصعيد العالمي، يدعو هذا الكتاب إلى جعل التكنولوجيات المتطوّرة مثل الإلكترونيات الدقيقة، والتكنولوجيا الحيوية، والمواد المتطوّرة، والطاقة المتجدّدة، ركائز لاستراتيجية وطنية موجّهة نحو المستقبل. وبين التحليل النقدي والرؤية المستقبلية، يوجّه هذا الكتاب إلى جميع الذين يؤمنون بأنّ نهضة الجزائر ستمرّ عبر الذكاء الجماعي، وتعبئة مواهبها، والاستثمار في المعرفة.
لا سيادة من دون استثمار في المعرفة
من جهته، كتب البروفيسور مصطفى خياطي مقدّمة كتاب بلعروسي فذكر أنّه لا توجد ديانة شجّعت السعي وراء المعرفة وعزّزت مكانة العلم بقدر ما فعل الإسلام. فالآية الأولى التي أنزلت على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) تبدأ بالأمر "اقرأ": "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم" (القرآن، 96: 1-5). وقد وردت جذور كلمة "العلم" في القرآن الكريم مرات عديدة، ما يدلّ على الصلة العميقة بين المعرفة والارتقاء والمسؤولية.
وأضاف أنّ كلّ ما يحيط بنا اليوم يدلّ على أنّ العلم والتكنولوجيا والابتكار هي العوامل التي تحدّد تطوّر وقوّة الأمم. وهذا في عالم تشكلّه التطوّرات العلمية والطفرات التكنولوجية، فلا يمكن لأيّ مجتمع أن يدّعي السيادة أو يحقّق التنمية المستدامة دون الاستثمار بحزم في المعرفة. وتابع أنّ الإلكترونيات الدقيقة، دعامة الثورة الرقمية، والتحوّل في مجال الطاقة، والاختراقات في مجال التكنولوجيا الحيوية، والمواد الجديدة، كلّها تحوّلات تعيد رسم ميزان القوى وتغيّر باستمرار حدود التنافسية.
واعتبر البروفيسور أنّ الجزائر، الغنية بالموارد الطبيعية والمواهب، لا يمكنها أن تظل على هامش هذه الديناميكية. فمستقبلها يتوقّف على قدرتها على تحويل مزاياها إلى محرّكات للابتكار، وتعبئة كفاءاتها المحلية وكفاءات الجالية الجزائرية في الخارج، ووضع سياستها العلمية في إطار رؤية واضحة وطموحة ومشتركة. وهذا الأمر ليس مجرّد ضرورة تقنية، بل هو خيار حضاري حقيقي من خلال جعل العلم والتكنولوجيا ركيزة لنهضة وطنية واقتصادية واجتماعية. وكما أشار مالك بن نبي، فإنّ مصير أيّ حضارة يتوقّف على قدرتها على إنتاج المعرفة وتنظيمها وتثمينها.
ومن هذا المنظور، يأتي كتاب محند طاهر بلعروسي، أحد الفاعلين في نظام البحث الجزائري والمراقب الملتزم بديناميكياته. وبفضل خبرته العلمية وتفكيره المستمد من مشاركته الطويلة في النقاش العام، يقدّم المؤلف هنا قراءة منظّمة للتحديات المعاصرة في مجال البحث والابتكار، مسلّطا الضوء على أوجه القصور الحالية وعوامل التحول المستدام، يشير خياطي.
4 فصول ترسم طريق الإصلاح
قال خياطي إنّ الفصل الأوّل يقدّم فيه الكاتب بلعروسي تحليلا متعمّقا للتغيّرات العالمية في مجال البحث العلمي والتكنولوجي. ويوضّح كيف أصبحت الإبداعية، التي تتّسم بطابع جماعي ومنظّم بشكل متزايد، جزءا لا يتجزأ من أنظمة ابتكار معقّدة، تتّسم بتدويل البحث والتطوير، وتجزئة سلاسل القيمة، والدور الاستراتيجي للبنى التحتية الحيوية. وتظهر في هذا الفصل كلّ من الإلكترونيات الدقيقة والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطوّرة كركائز للسيادة والقدرة التنافسية على الصعيد العالمي.
أما الفصل الثاني فيضع هذه التحوّلات في سياق المسار الطويل للتاريخ الاقتصادي والصناعي للجزائر. فمن الطموحات التأسيسية في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى عمليات إعادة الهيكلة في العقود التالية، ويسلّط الضوء على أوجه الاستمرارية والانقطاعات والفرص الضائعة، مع التذكير بقناعة ثابتة "لا يمكن لأيّ بلد أن يبني مستقبله في ظل التبعية التكنولوجية".
كما يقدّم الفصل الثالث تشخيصا واضحا للنظام الوطني للبحث العلمي. ويُظهر أنّ الافتقار إلى التفاعلات المنظّمة بين الدولة والجامعات والشركات يشكّل أحد العوائق الرئيسية التي تحول دون ظهور نظام ابتكار حقيقي. ويسلّط هذا التحليل الضوء على ضرورة اتّباع نهج نظامي، يقوم على التنسيق بين الجهات الفاعلة، واتّساق السياسات العامة، والاستفادة الفعّالة من نتائج البحوث.
وأخيرا، يضع الفصل الأخير الخطوط العريضة لاستراتيجية وطنية للبحث والابتكار، مستوحاة من التجارب الدولية ولكنّها راسخة تماما في الواقع الجزائري. ويشدّد على أهمية وجود إطار حوكمة متين وعلى الاستثمار في المجالات التكنولوجية الرئيسية للقرن الحادي والعشرين، وهو شرط لا غنى عنه لتجاوز منطق التجميع والانطلاق في مسار حقيقي نحو السيادة العلمية والتكنولوجية.
وأكّد خياطي أنّ هذا الكتاب لا يقتصر على التحليل وحسب بل يهدف إلى أن يكون مساهمة في النقاش الوطني، في وقت تتبلور فيه خيارات حاسمة لمستقبل البلاد. ويُذكّر بأن المعرفة ليست ترفا ولا امتيازا، بل شرط للكرامة والعدالة الاجتماعية والرخاء المشترك.
ومن خلال هذا التفكير المتعمّق والمحفز، يدعو محند طاهر بلعروسي صانعي القرار والباحثين والأكاديميين ورجال الأعمال والمواطنين إلى المشاركة في الجهد الجماعي من أجل نهضة قائمة على العلم والوعي الوطني. ويؤكّد قناعته الراسخة بأنّ الجزائر تمتلك القدرات البشرية والفكرية لتصبح لاعبا رئيسيا في مجال المعرفة والابتكار، شريطة أن تجعل من ذلك أولوية استراتيجية وخيارا مستداما.
محند طاهر بلعروسي في سطور
المؤلّف محند طاهر بلعروسي حاصل على درجة الدكتوراه في الإلكترونيات الدقيقة من جامعة بول ساباتييه في تولوز (1987). شغل منصب مدير أبحاث سابق في مركز تطوير التقنيات المتقدّمة، حيث تولى إدارة مختبر ثم قسم الإلكترونيات الدقيقة والنانو-تكنولوجيا، وترأس المجلس العلمي للمؤسّسة. كما تولى مسؤوليات استراتيجية ضمن الإدارة العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، حيث كان مسؤولا عن البرمجة والتقييم والتخطيط المستقبلي.
الدكتور بلعروسي حاصل أيضا على شهادة مشاركة في الدورة الإقليمية التي نظمتها اليونسكو/جامعة الأمم المتحد حول تخطيط البرامج والمشاريع الاستثمارية في مجال العلوم والتكنولوجيا (باداغري، نيجيريا، 1-19 سبتمبر 1992)، وقد قام بتنسيق مشاريع دولية، من بينها منحة تيمبوس-ميدا للتدريب في مجال الإلكترونيات الدقيقة. وهو مؤلف التقرير الذي أُعدّ لصالح المعهد الوطني للدراسات الاقتصادية والاجتماعية بعنوان "التحديات وفرص تطوير الإلكترونيات الدقيقة في الجزائر: اقتراح خطة تنفيذ"، والذي يُعدّ مرجعا في هذا المجال.
يكتب الدكتور بانتظام في الصحافة الوطنية ويقوم منذ عدّة سنوات بتطوير تفكير متعمّق حول الحوكمة العلمية، والابتكار، والسيادة التكنولوجية، وسبل النهوض الاقتصادي. ليأتي هذا الكتاب في إطار استمرارية أعماله ويقدّم رؤية منظّمة لإعادة تأسيس النظام الوطني للبحث والابتكار.