المتحف البحري
دعوة إلى دراسة فعلية لتراثنا المغمور بالمياه وحمايته
- 147
لطيفة داريب
دعا المشاركون في فعالية اختتام معرض "التراث الثقافي المغمور بالمياه: ذاكرة تحت الماء" المنظَّم أوّل أمس بالمتحف العمومي الوطني البحري؛ إحياءً لليوم العالمي لهذا التراث، إلى إيلاء اهتمام أكبر بهذا الصنف من التراث الوطني، الذي لايزال، حسب المتدخّلين، بعيدًا عن الاهتمام والتصنيف اللذين يحظى بهما نظيره الموجود على اليابسة. كما شدّد المشاركون على أهمية تكثيف الدراسات والأبحاث العلمية المعمَّقة حول الثروات الأثرية والتاريخية المغمورة بمياه السواحل الجزائرية؛ باعتبارها كنزًا حضاريًا يستحقّ مزيدًا من الحفظ، والتوثيق والتثمين بما يضمن حمايته من الاندثار، ونقله إلى الأجيال القادمة.
احتضن المتحف العمومي الوطني البحري، بمناسبة اختتام المعرض الذي نظّمه إحياءً لليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه، أوّل أمس بمقرّه، يومًا دراسيا ضمّ أربع محاضرات، نشّطها مختصّون في التراث البحري.
وقبل انطلاق المحاضرات، قدّمت مديرة المتحف الأستاذة آمال مقراني، كلمة قالت فيها: " لأوّل مرّة يحتفي العالم باليوم العالمي للتراث المغمور بالمياه الموافق لـ 21 أوت، بعد سنّ اتّفاقية حول هذا التراث عام 2001 "، مضيفة أنّ المتحف الجزائري نظّم بالمناسبة، معرضًا حول هذا الموضوع.
أمّا عن المحاضرات فكانت البداية مع الأستاذ نزيم بن صالح، ملحق بمركز البحث في المركز الوطني للبحث في علم الآثار، الذي دعا إلى إجراء دراسات معمَّقة حول التراث المغمور بالمياه، الذي لم ينل إلى اللحظة اهتمامًا يليق به، ولا تصنيفًا مثل نظيره الواقع على اليابسة. وتابع: " صحيح أنّ بعض الفضاءات "المائية" عرفت بعض الدراسات الاستعجالية مثل تلك التي أُجريت على مستوى الحمدانية بفعل مشروع الميناء، وحتى بتيبازة. لكن يبقى هذا التراث يحتاج إلى اهتمام أكبر وأدقّ ممّا هو عليه حاليًا ".
وعاد بن صالح إلى أسبقية الجزائر في تناول التراث المغمور بالمياه من خلال اتّفاقية 98- 04، علاوة على مصادقتها على اتّفاقية اليونسكو عام 2001 حول هذا النوع من التراث. لكن يجب التعمّق أكثر في الموضوع.
وأكّد المحاضر وجود ثروات مهمّة مغمورة في المياه، تمّ الكشف عنها إثر أبحاث جرت في عدّة مناطق؛ كعنابة والطارف ووهران وشرشال، من بينها أمفورات، وحتى طائرات تخصّ فترة الحرب العالمية الثانية.
وكانت أرض الجزائر سبّاقة في البحث عن هذه الثروات، حيث قام المختصّ ستاوسكي بإجراء أبحاث على مستوى شرشال عام 1961، وكذا أبحاث أُجريت عام 2005، شاركت فيها المختصّة سعاد لاموتي، حول بقايا أسطول شارل كان.
وبالمقابل، نوّه المتحدّث بتنظيم ورشات التكوين الخاصّة بالتراث المائي التي أشرفت عليها الدولة، وكذا المشاركة في فعاليات مشتركة، مثل تلك التي شارك فيها بصفته حاضرًا رفقة مختصّين من سبع دول. كما أكّد أنّ فتح جامعة الجزائر 2 ماستر 2 حول التراث المائي، السنة الماضية، أمر إيجابي جدًّا، خاصّة أنّه يضمّ الجانبين النظري والتطبيقي، بالإضافة إلى تدريس مادّة التنوّع البيئي في المياه، علمًا أنّ هذه الدفعة عرفت مشاركة 12 طالبًا، بينما حينما درّس ماستر في جامعة مرسيليا حول التراث المغمور بالمياه بالحمدانية، تشكّلت دفعته من ثمانية طلاب لا غير.
من جهتها، تحدّثت الباحثة سعاد لاموتي من المركز الوطني للبحث والتنمية في الصيد البحري وتربية المائيات، عن عملية البحث والتنقيب التي نظّمتها عدّة مؤسّسات من مختلف الوزارات في مياه تيبازة، والتي شاركت فيها، مشيرة في السياق نفسه، إلى أهمية التراث المغمور بالمياه، والعمل على حمايته. كما طالبت المختصّة بجرد لائحة للكائنات التي تعيش في المياه، وتصنيف ما يجب تصنيفه وفق معايير بيئية وثقافية واقتصادية، خاصّة تلك التي تعيش فقط في البحر المتوسّط، والتي في حال انقراضها سيفقد العالم تراثًا لا يُقدَّر بثمن. ومَثلت الباحثة بطحلب "بوسيدونيا أوسيانيكا" الذي يُعد رئة المتوسّط؛ فهو بمثابة المكان الذي تلجأ إليه الأسماك، ومصدرٌ مهمّ للغذاء والأكسجين، لهذا من الضروري جدًّا حمايته، بينما يوجد طحلب آخر "مزعج" استوطن المتوسّط، قدِم من اليابان إلى فرنسا، فالجزائر، لا يمكن نزعه وإلّا تكاثر أكثر.
أمّا الدكتورة جميلة جلال المحافِظة الرئيسية للتراث الثقافي بالمتحف البحري، فذكرت في مداخلتها أنّ التراث الثقافي المغمور بالمياه، يمثّل ثروة علمية وتاريخية وحضارية ذات قيمة كبيرة، وأنّ حمايته لا ينبغي أن تقتصر على استرجاع القطع من أعماق البحر، بل تقوم أساسًا، على التوثيق، والجرد، والبحث العلمي، والحفظ، والتثمين والتوعية.
من جانبه، استعرض الأستاذ مصطفى علالي محافِظ التراث الثقافي، دور المتحف البحري في حماية الممتلكات الثقافية المسترجَعة من الأوساط المغمورة بالمياه، وأهمّ محطّات وآليات الجرد والتوثيق، والطرق المتّبَعة في الحفظ الوقائي والحفظ العلاجي والترميم والعرض المتحفي. وتابع أنّ المتحف يسعى إلى إنشاء وتهيئة مخبر لحفظ وترميم الممتلكات الثقافية المغمورة بمختلف الموادّ والأشكال والأحجام، يستوفي جلّ المراحل الأساسية لمعالجات الحفظ والترميم، وما تتطلّبه من رافعات ثابتة بالموقع، وأحواض الغسل، والتنظيف، ومعدّات التحليل.