ندوة "الشعر والفلسفة" بالمكتبة الوطنية

خطابان يشتركان في العمق والاستعارة

خطابان يشتركان في العمق والاستعارة
  • 684
مريم . ن مريم . ن

نشّط المبدعان مشري بن خليفة وفيصل الأحمر، أوّل أمس، بالمكتبة الوطنية ندوة، بعنوان "الفلسفة والشعر" تعرّضا فيها للعلاقة المتينة بين أم العلوم والشعر وتأثير الواحد فيهما على الآخر منذ الأزل البعيد، ومن ثمة الدعوة إلى ترسيخ هذا التلاقي والتقارب الذي هو قطعة من مخزون البشرية. افتتح اللقاء الأستاذ منير بهادي مدير المكتبة الوطنية الذي وقف عند احتفالية اليوم العالمي للشعر الموافق لـ21 مارس، متوقّفا عند مسألة التداخل بين الشعر والفلسفة، وقال إنّ العلوم خرجت من رحم الفلسفة، وخرجت الفلسفة من حكمة الشعر، كما أنّ هناك فلاسفة شعراء.

أما رئيس الندوة الدكتور عمر بوساحة فقال "نحن الفلاسفة نحشر أنوفنا في كلّ شيء منها الشعر"، مؤكّدا أنّ البدايات كانت للشعر وكلّ التصوّرات خرجت منه، وكانت الفلسفة دوما لصيقة بالشعر كما هو الحال في الملاحم اليونانية، وأضاف المتدخّل أنّ من طبيعة الشعر أنّه موزّع على كافة المعارف كي لا تكون هذه الأخيرة جافة وتقنية فقط. طرح الشاعر والناقد الدكتور مشري بن خليفة في محاضرته "علاقة الشعر بالفلسفة وحوارية المجاورة بينهما" سؤالا مركزيا وإشكالية "هل هناك قطيعة أم صراع أم مجاورة وحوار بين الشعر والفلسفة؟"، وأكّد بن خليفة أنّ الشعر في حقيقته يطرح إنسانية الإنسان، ويطرح أسئلة مضاعفة تتعلّق بالبعد الوجودي، لذا راهن هيدغر على القول الشعري في قول الحقيقة حقيقة الوجود، لأنّه يرى أنّ الإنسان يمتلك القدرة على التخلّص من قبضة هذا الواقع المشوّه بفعل التقنية".

وعليه أخذ هيدغر على عاتقه النهوض بالتفكير وذلك بالرجوع إلى الأصل، وبالتالي الوصول إلى الحقيقة، أي إلى الوجود الأصيل. ويرى هيدغر أنّ الشاعر وحده من يمنح إمكانية العودة إلى حوار الأصل، ومن ثم مثل الشعر مسكن كلّ خطاب تناول سؤال الوجود.  يعتقد بن خليفة أنّ الشاعر المعاصر والشاعر عموما منذ القديم، هو محاصر بزمن الولادة والحياة والموت، وأسئلة الوجود والشكّ واليقين، والحلم والواقع، والأنا والآخر، والنفي والإثبات، والغياب والحضور، والاكتشاف والاحتجاب. كما أشار المتحدث إلى أنّ أدونيس تعرّض لمسألة تعريف الشعر وقال لا يمكن وضع تعريفات نهائية للشعر، إنّه يفلت من كلّ تحديد، ذلك أنّه ليس شيئا ثابتا، وإنّما هو حركة مستمرة من الإبداع المستمر.. يجئ الشعر من أفق لا ينتهي ويتّجه نحو أفق لا ينتهي، ذلك أنّه لا يجئ من معلوم مسبق، وإنّما يجئ من مجهول لا ينكشف بشكل نهائي، لأنّه في حاجة دائمة للكشف "الثابت والمتحوّل".

يرى أيضا الشاعر أنسي الحاج، أنّ الشاعر المعاصر الحداثي ليس ملعونا فحسب، فهو شاعر مجنون أيضا، بسبب اختلال موازين القوى بينه وبين الآخر، ويضيف أنسي الحاج أنّ اللعنة والجنون محفّزان على الإبداع، لأنّهما يكسبان الشاعر المعاصر منطقا مغايرا للمنطق السائد. أكّد المحاضر أنّ الشعر والفلسفة خطابان يعبّران عن الوجود الإنساني، ويستشهد بالفيلسوف غادامير حينما قال "من ذا الذي يريد أن يفصل بين الشعر والفلسفة "، ومما قال هذا الفيلسوف أيضا "هذا التوتر الخصب بين الشعر والفلسفة، من العسير أن ننظر إليه على أنّه مشكلة خاصة بتاريخنا القريب أو حديث العهد، لأنّه توتر قد صاحب دائما مسار الفكر الغربي". لقد شغلت العلاقة بين الفلسفة والشعر الفكر الإنساني، ومدى التأثير الذي يمكن أن يحدثه كلّ منهما في الآخر، لأنّ الشعر يشترك مع الفلسفة في غاية واحدة، هي المعرفة والكشف عن الحقيقة .وأضاف المحاضر أيضا أنّه عندما نتحدّث عن هذه الحوارية المجاورة بين الشعر والفلسفة، لا نقصد أبدا أن يتحوّل الشعر إلى خطاب فلسفي، وإنّما المقصود أن يقوم الشعر بفعل المحو والبناء، ومن ثم يصبح النصّ مفتوحا على معارف متعدّدة من أجل إغناء هذه التجربة وإثراء النص حتى يعبّر بعمق عن تشظي الواقع وأزمة الإنسان المعاصر وفلسفته.

من جانبه، أسهب الروائي والناقد الدكتور فيصل الأحمر في الموضوع من خلال مداخلته "الشعر والمقاربة الفلسفية للعالم" أشار فيها إلى أنّ العادة هي أمر قبيح يقف في وجه المعرفة وقال "كلّما تعوّدنا على وضع أو أمر ما في الواقع والمعارف كلّما تخلّفت المراجعة والتصحيح". أمر آخر تناوله المحاضر، حين قال إنّ الشعر يعتمد على الاستعارة، وأنّه يخرج الكلمات من مدارها وأوكارها ويدخلها في أخرى، كما أوضح أنّ القدرة على التواصل تتم بالاستعارة ولولاها،حسبه، لانتهت الحياة في جيل واحد، فالاستعارة تزلزل الثبات في المعاني وفي أيّ تصوّرات خاصة بالحياة، والمعنى كان دوما محلّ الجدل فهو بمثابة التخصيب تماما كما الاستعارة تحريك للحياة. تحدّث الأحمر عن شعراء "الهايكو" الذين يقولون إنّهم أقرب للحكمة من الشعر، ومع ذلك لا يدعون أنّهم شعراء حكماء، ليبقى الشعر والفلسفة يركبان نفس المركب وهو الشكّ في اليقينيات والالتقاء في نقاط جديدة، وأضاف أنّ الشعر يمثّل مخزون الانسانية، وتحاول الفلسفة جمع الناس ليس كالقطيع بل للتحاور في أيّ معنى.

تميّزت المناقشة بالثراء والرقي، حيث جرى التأكيد على أنّه ليس هناك خطوط واضحة بين الفلسفة والشعر، وهذا الأخير مرتبط بالفلسفة فلغته ليست فراغا بل مبنية على المعرفة، والشعر مبني على إنسانية الإنسان لذلك يؤثّر ويعني كلّ العالم، والشعر ما هو إلاّ استعارة كبرى لمواجهة العالم والوجود بعمق ومعرفة وتصوّر. تضمّنت الندوة أيضا قراءات شعرية مع مشري بن خليفة وعمر عاشور وشفيقة أوعيل وعبد الكريم ينينة  ورياض منصور وطيبي مسعود ووصلات موسيقية مع محمد شميسة.