رحيل عبد الرحمن بوقاف

خسارة موجعة للفلسفة الجزائرية

خسارة موجعة للفلسفة الجزائرية
الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بوقاف
  • 471
ل. د ل. د

تلقّت الأسرة الفلسفية الجزائرية خبر رحيل الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بوقاف بكثير من الحزن والأسى، إذ يُعدّ من أبرز فلاسفة الجزائر في العقود الأخيرة، وقد نقل الكثير من معارفه، ولا سيما في آليات التفكير والنقد والكتابة، إلى المختصين والباحثين في هذا الحقل العلمي.

استُهلت العديد من المنشورات على موقع “فيسبوك” لفلاسفة وأكاديميين جزائريين بعبارة “وداعًا أستاذي”، نعيًا لرحيل الفيلسوف الدكتور عبد الرحمن بوقاف، الذي أشرف على العديد من الأطروحات الجامعية، وألّف العديد من الإصدارات، وكرّس حياته للفلسفة، وكان يرى أنّها ليست علمًا فحسب، بل منهج في الحياة. وأكّد عدد من الفلاسفة الجزائريين أنّ رحيل البروفيسور بوقاف سيترك فراغًا من الصعب جدًا ملؤه، ليس في مجال الفلسفة فحسب، بل حتى في حياة كلّ من احتكّ به، فقد كان مدرسة قائمة بذاتها، وإنسانًا في غاية التواضع والرقة، وفي الوقت نفسه كان يتحلى بالصرامة العلمية في مجال تخصّصه.

وهكذا، لم تكن الفلسفة بالنسبة إلى بوقاف مجرّد علم، بل كانت منهجًا في الحياة وأسلوبًا في التفكير، إذ كان يرى أنّ الفلسفة تُعاش كل يوم من خلال السؤال، وأنّها مشروع حياة متكامل.

للإشارة، يُعدّ بوقاف من أبرز الأصوات الفلسفية الجزائرية المعاصرة التي انشغلت بنقد واقع الفلسفة في الجزائر والعالم العربي، والدعوة إلى بناء خطاب فلسفي أصيل ومنتج للمعرفة. ورأى أنّ الفلسفة في الجزائر عانت طويلًا من التلقي والتكرار، وأن الإنتاج الفلسفي ظلّ يعتمد على شرح الأفكار الغربية أكثر من إنتاج أفكار جديدة تنبع من الواقع الجزائري، لذلك دعا إلى الانتقال من مرحلة الاستهلاك الفكري إلى مرحلة الإبداع الفلسفي، وقد أصبح هذا الجانب محورًا لدراسات أكاديمية تناولت منهجه النقدي.

في المقابل، لم ينفِ بوقاف أهمية الاستفادة من الفلسفات الغربية، ولا سيما الفلسفة الألمانية، لكنّه رفض تقليدها بصورة حرفية، ورأى أنّ الفيلسوف الحقيقي هو الذي يحاور التراث الإنساني ويعيد إنتاجه بما يتلاءم مع قضايا مجتمعه، لا أن يكتفي بنقله أو شرحه. كما ظهر في كتاباته اهتمام واضح بفكر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، خصوصًا في قضايا التفكير والوجود، إلى جانب اهتمامه بالفلسفة النقدية الحديثة. ومع ذلك، سعى إلى توظيف هذه المرجعيات لخدمة أسئلة الفكر العربي والجزائري، لا أن يجعلها غاية في حدّ ذاتها.

وأكّد بوقاف أنّ الفلسفة ليست حفظًا للنظريات، بل هي ممارسة للنقد والتساؤل، ولذلك دعا إلى ترسيخ ثقافة السؤال، وتحرير العقل من التبعية الفكرية، حتى يصبح قادرًا على إنتاج معرفة جديدة ومواجهة المشكلات الحضارية والثقافية. واعتبر بوقاف أنّ العالم العربي يعاني من غياب المشاريع الفكرية الكبرى القادرة على تفسير الواقع واقتراح حلول للمستقبل، وأنّ هذا الفراغ أدى إلى هيمنة الخطابات الأيديولوجية على حساب التفكير الفلسفي الحرّ، وقد تناول هذه القضية في أبحاثه حول غياب المشاريع الفكرية في الجزائر. واهتم البروفيسور عبد الرحمن بوقاف ببناء فلسفة جزائرية وعربية أصيلة تستفيد من الفكر الإنساني دون أن تذوب فيه، كما دعا إلى ممارسة النقد بوصفه أساسًا لكلّ إنتاج فلسفي حقيقي، وإلى تحويل الفلسفة إلى أداة لفهم الواقع وتغييره، بدل الاكتفاء بشرح النصوص وإعادة إنتاجها.

في سياق متصل، يُعد عبد الرحمن بوقاف مفكرًا وفيلسوفًا جزائريًا، اشتهر باهتمامه بالفلسفة الألمانية، ولا سيما فلسفتي هيغل وهايدغر، كما انشغل بقضايا الفكر العربي المعاصر، والمنهج، والحداثة، ونقد الواقع الثقافي الجزائري والعربي. ومن أبرز أعماله كتاب “نشأة النسق الهيغلي”، الصادر في عدة أجزاء، ويُعد من أهم مؤلفاته في دراسة تطور فلسفة هيغل، إلى جانب مؤلفات أخرى، منها: “النص الأرسطي بين التشذر والوحدة النسقية”، و«مظاهر أزمة التنظير في الفكر الفلسفي العربي”، و«أعمال الندوة العلمية الدولية: الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا”، و«غياب المشاريع الفكرية في الجزائر”، و«متى نبدع؟”، وغيرها.