خروج محتشم إلى العلن
  • القراءات: 1241
مريم. ن مريم. ن

"المساء" تفتح النقاش حول التراث الإسلامي

خروج محتشم إلى العلن

يلقى التراث اهتماما متزايدا ومساعي جادة لإحيائه والمحافظة عليه، على اعتبار أنه الوعاء الذي يحوي الخصوصيات الثقافية ويحميها من الاندثار والنسيان. ويدخل ضمن هذا التراث بعض التراث الإسلامي الذي لايزال حبيس المخطوطات والخزائن القديمة، لم ير النور بعد، ويحتاج إلى من يمسح عنه الغبار، ويخرجه للعلن وللراهن، كي يُستغل في البحث والاطلاع والتفعيل في أصعدة شتى.. في هذا المضمون التقت "المساء" بمجموعة من المختصين والخبراء الذين كان لهم رأيهم وتجاربهم في هذا الغمار.

الباحث عبد الحميد بن عبد الكبير من أدرارالتراث المخطوط يحتاج للعناية

أكد رئيس جمعية إحياء التراث المخطوط بالمطارفة بأدرار الباحث عبد الحميد بن عبد الكبير الذي يشغل أيضا منصب أمين خزانة المخطوطات بالمنطقة، أكد أنه يعمل مع جمعيته على إبراز التراث الجزائري، والتعريف به، وبيان أهميته وإتاحته للباحثين والدارسين من أجل تحقيقه وإخراجه، يقول: عندنا كتب الطب والفلك والرياضيات، وهي من النفائس. وتتراوح أعمار هذه الكتب بين 200 و800 سنة، بعضها لأجداد الأسرة الراشدية. كما لدينا الآن حوالي 900 مخطوط منها مخطوطات أجنبية. أما الغالب فهو مخطوطات جزائرية، بعضها محلي أدراري تواتي، وهي نادرة". محدث "المساء" المتخصص في علوم الشريعة بجامعة أدرار والدارس بزاوية الشيخ بلكبير، أشار إلى أنه أدرك أهمية هذا التراث وقيمته والعلاقة التي تربطنا به، على أساس أنه يمثل الهوية والتاريخ، ولا بد من التحسيس بأهمية المحافظة على التراث، وخصوصا الجزائري، لأنه في عداد التراث المغمور، على غرار البلدان العربية التي عُرفت بتراثها.

ومن المبادرات في هذا الشأن، يؤكد المتحدث على مشروع الخزانة الجزائرية للتراث. والهدف منها إبراز التراث الجزائري، علما أن هذا المشروع انطلق سنة 2016 كفكرة، ثم جسد على أرض الواقع. وأكد بن عبد الكبير أنه تم تصوير الكثير من الخزائن بأدرار، وفهرستها، ورقمنتها، وتحقيق بعض المخطوطات النادرة والمهمة بها، ولايزال المشروع قائما. من جهة أخرى، يضيف المتحدث: "الكثير من الخزائن لاتزال على ما كانت عليه في السابق، داخل بنايات من الطين، معرضة في أي وقت للهدم! وللأسف بسبب عدم اهتمام الجهات الوصية بهذا التراث! وبالتالي لا بد من إحياء هذا التراث الجزائري الزاخر، ولفت الانتباه إليه، والتعامل معه بصدق، وإعطائه القدر الكافي من الاهتمام حتى ننهض بتراثنا ونفتخر به، ونثبت من خلاله أن الجزائر ليست دولة حديثة، بل هي دولة عميقة، ضاربة في جذور التاريخ، من خلال ما تحتوي عليه من تراث ثقافي وتاريخي يعود لمئات السنين".

كما أضاف المتحدث موضحا: "إن مخطوطاتنا مفهرسة ومرقمنة ومصنفة، وهي في طور النشر، علما أنه سبق أن طُبعت كتب لدعم هذه المبادرات، وضمان موارد مالية تُستغل في هذه المخطوطات، والتعريف بالتراث وما هو متوفر منها. وعلى الرغم من أن ولاية أدرار بها المركز الوطني للمخطوطات، إلا أنه لم يجد صيغة أو آلية تمكنه من الإحاطة بما هو موجود من مخطوطات كمّا وكيفا".

الأستاذ محمد الهادي الحسني: تثمين تراثنا يحتاج للعمل الملموس

أكد الأستاذ الحسني خلال حديثه إلـى "المساء"، أن للتراث أهمية قصوى في كيان وهوية أي شعب. ولكي يفعل لا بد من أن يعطى ملف الثقافة للمثقف، وأن نلتفت للقضايا الجادة البعيدة عن الجدال الفارغ والمبارزات الفارغة واللهث وراء مواضيع تبدو من التراث، لكنها، في حقيقة الأمر، فارغة، ولا تستدعي الاهتمام. واقترح الأستاذ، بالمقابل، لقاءات ومؤتمرات تناقَش فيها قضايا فكرية وثقافية لها علاقة بالتراث، ومنها التراث الإسلامي، وتوصيل ذلك إلى الشباب حتى يكتشفوا تاريخهم، ويعتزوا بهويتهم عوض الافتخار بالآخر، وحمل رموزه وصوره في كل مكان حتى على الألبسة. وقال: "أتمنى أن يفتخر شبابنا بفاطمة نسومر أو عميروش وبن مهيدي، عوض الافتخار، فقط، بشي غيفارا، وأن تحمل الشوارع أسماء أعلامنا وعلمائنا كي تبقى راسخة. ويحضرني هنا اسم ابن العنابي، وهو أول منفي بعد دخول المستعمر الفرنسي الجزائر، لكن اسمه مغمور". ويرى المتحدث أن تثمين التراث لا بد له من أن يكون عبر كل الجبهات، من المدرسة إلى المسجد، إلى التلفزيون والمسرح، وغيرها من الوسائل، حتى يترسخ ويبرز، وأن يتحول هذا التراث إلى قضية وعي جماعي، يتجاوز أنانية الأفراد، بمعنى أنه ليس ملكية خاصة، بل هو ملك للأمة الجزائرية جمعاء.

الدكتور عمار طالبيتراثنا مهمَّش

من جهته، أكد الدكتور عمار طالبي أن التراث، اليوم، مهمش، خاصة منه الثقافة الإسلامية، مضيفا أننا ننشر ثقافة الآخر، ونستهلك الثقافة الفرنسية التي تسيطر علينا بوسائل إعلام لها تأثير ومنهج قوي تؤذي به الثقافات الأخرى وتهددها للقضاء عليها، وبالتالي قولبة العالم بقالب ثقافي واحد، هو العولمة. وتساءل المتحدث قائلا: "ما هو منهجنا نحن للتصدي لكل مضارها والاستفادة من جدواها؟ وذلك هو دور المثقفين، الذين عليهم أن لا ينسلخوا عن ثقافتهم، بل يحموا ذاتيتهم، ويدافعوا عن ثقافتهم، وبالتالي لا بد من التأسيس لثقافة ودم جديد يشعر به شبابنا، فيرتبطون بثقافتهم". ثم أضاف: "نحن نتعرض لصراع لهجات وأعراق في الجزائر، وهو أمر خطير! فلقد وحّدنا الإسلام، هذا الدين الذي لا يحارب الأجناس واللغات والشعوب من الصين إلى أوروبا، ولا يحارب العادات إلا المخالفة للدين، وجمع بين أنواع البشر والحضارات، وهو أمر عجيب في الإسلام! نحن نؤمن بكل الديانات، بينما الآخر لايزال يحمل تفكيرا عنصريا تجاهنا وتجاه  ثقافتنا!".

ويرجع اهتمام المتحدث بالتراث العلمي وتحقيقه إلى الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد الأهواني أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة، فقد كلفه بنسخ بعض النصوص من كتاب في الرياضيات بدار الكتب المصرية، وهو مخطوط، ودفعه إلى ذلك، أيضا، ما قام به الشيخ عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، من نشره كتاب "العواصم من القواصم"، اعتمادا على نسخة واحدة، نقلها من مخطوط بجامعة الزيتونة نبهه إليه شيخه محمد النخلي. وأول ما ألف في حياته العلمية، تراث ابن باديس، اهتم به منذ 1964، وطبع أول طبعة في سنة 1968 بمقدمة كتبها مالك بن نبي رحمه الله.

الدكتور بداه المهدي (اتحاد الناشرين الموريتانيين): المخطوطات في موريتانيا موروث ثقيل يحتاج للإمكانيات

أشار الدكتور بداه المهدي إلى وجود مدن قديمة في موريتانيا مثل مدينة شنقير ووادان وتيشيت، وهذه المدن في أعماق الصحراء الموريتانية، عُرفت بمدارسها العلمية المتميزة، ولاتزال تحوي مخطوطات كثيرة في بعض المكتبات الخاصة وهي، حسبه، تدل على الثراء العلمي الذي تميزت به هذه المدن القديمة، يقول: فمثلا، نجد في شنقيط عدة مكتبات تحوي على الكثير من المخطوطات في مختلف المجالات، منها الفقه المالكي، وفي الأدب العربي، وفي علم الطب القديم، وحتى في علم النجوم، وعلم الحساب والفلك، وكذلك الحال في منطقة تيشيت.

وتحدّث الدكتور بداه عن برمجة هذه المخطوطات من طرف المعهد الموريتاني للبحث العلمي. ولايزال هذا المعهد يبحث في التراث العلمي الموجود في موريتانيا. وفي كل سنة يحصل على مخطوطات أهلية علمية لم تكن معروفة من قبل. وأضاف المتحدث قائلا: "للأسف، لاتزال الإمكانيات المادية تحول دون بعث مثل هذا الإرث الإنساني، لأن الأمر يتعلق، أساسا، بالمبادرات الخاصة بأصحاب المكتبات، ولهم إمكانياتهم المحدودة".

طارق نفيسة (صاحب دار الشامية التركية): الإقبال على التراث صار ملحوظا

تحدّث الأستاذ طارق نفيسة عن تجربته مع كتب التراث الإسلامي والعربي، قائلا إنها مطلوبة جدا من كل الدول الإسلامية، فهي رائجة، وتزداد انتشارا يوما بعد الآخر. وتوجد في إسطنبول أهم المخطوطات والكتب، منها تلك الموجودة منذ العهد العثماني. ويعود الكثير منها لدول إسلامية شتى. كما أكد أن الاقبال على هذه الكتب يكون أكثر خلال شهر رمضان، سواء من داخل تركيا أو من خارجها.