في مرآة الشعر الفرنسي
"حين تحلق طيور القطرس في سماء قسنطينة".. أنطولوجيا أحسن دواس
- 58
بوجمعة ذيب
صدر للشاعر والأكاديمي الجزائري الدكتور أحسن دواس، عن دار النشر "ميز"، كتاب جديد في شكل أنطولوجيا شعرية، تجمع أصواتا متعددة حول مدينة قسنطينة وذاكرتها التاريخية والجمالية، وتوثق لحضورها في الأدب الفرنسي، تحت عنوان "حين تحلق طيور القطرس في سماء قسنطينة". ويكتسب هذا العمل قيمة ثقافية تتجاوز الاحتفاء الجمالي بالمدينة، إذ يستعيد ذاكرتها الشعرية، ويعيد وصل حاضرها بماضيها الإبداعي.
في حديثه إلى "المساء"، أوضح الدكتور دواس، أن الكتاب، الذي يضم مجموعة من النصوص الشعرية باللغة الفرنسية، تولى جمعها، يندرج ضمن مشروع ثقافي يتجاوز حدود التجميع والتوثيق، إلى الاحتفاء بمدينة استثنائية ظلت، على امتداد تاريخها، مصدر إلهام للشعراء والكتاب والرحالة. وأكد أن العمل ليس مجرد مختارات شعرية تتخذ من قسنطينة موضوعا للكتابة، بل أشبه برحلة في ذاكرتها الجمالية والتاريخية، ومحاولة لاستكشاف صورتها في المخيلة الشعرية، كما تشكلت عبر أزمنة مختلفة وأقلام متعددة المشارب والتجارب.
فمن صخورها الشامخة وجسورها المعلقة، إلى وادي الرمال وأحيائها العتيقة وفضاءاتها الحميمة، تتعدد الصور وتتقاطع الرؤى، لتغدو قسنطينة، كما قال، بطلة مشتركة لنصوص تتفاوت في أساليبها ومرجعياتها، لكنها تلتقي في عشقها لسحر المكان وفتنته. وتكمن أهمية هذه المجموعة، حسب المتحدث، في بعدها التوثيقي والأدبي، إذ تتيح للقارئ اكتشاف امتداد حضور المدينة في الشعر الفرنسي والعربي المكتوب بالفرنسية، انطلاقا من النصوص التاريخية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وصولا إلى القصائد الحديثة التي تستعيدها من منظور الحنين والذاكرة والانتماء. وبذلك، يضع الكتاب بين أيدي القراء مادة أدبية ذات قيمة تاريخية وثقافية، تكشف كيف تحولت قسنطينة إلى موضوع شعري متجدد، وكيف احتفظت بمكانتها في وجدان من عاشوا فيها أو غادروها أو عرفوها من خلال الكتابة.
وحسب دواس، تضم المجموعة أسماء أدبية وشعرية متعددة، من بينها الشاعر الفرنسي ليون دو شومون، الذي افتتح حضوره بنص شعري عن قسنطينة، وفيليكس سالفير، صاحب قصيدة “الحملتان على قسنطينة” التي تعود إلى سنة 1838، فضلا عن شارل فوازو، صاحب النص المعروف “أنا قسنطيني”، المنشور في مجلة قسنطينة سنة 1874، وشارل كريفان، الذي حضر بقصيدة “قسنطينة” في صيغة نشيد شعري.
كما تستحضر الأنطولوجيا الأديبة والكاتبة الرحالة إيزابيل إيبرهارت، من خلال نصها “فتاة من قسنطينة”، الذي يحمل مسحة وجدانية وإنسانية، ويكشف جانبا من علاقتها بالمكان والذاكرة والرحيل. وتتوزع الأصوات الشعرية الأخرى بين تجارب مختلفة، من بينها ناصرة طلبة وجيزيل كلوزيل، التي تستعيد في قصيدتها قسنطينة، بوصفها مدينة الميلاد والطفولة والحب الأول، مستحضرة أحياءها وأشجارها وعاداتها وطقوسها العائلية، في كتابة يمتزج فيها الحنين الشخصي بالذاكرة الجماعية. وتحضر كذلك أسماء لقمان بن الشيخ، من خلال قصيدته “مدينتي”، التي تتخذ منحى تأمليا نقديا في رصد تحولات المدينة، وما أصاب ملامحها من تغير، وناجية عبير، التي تقدم في قصيدتها “رغوة وردية من طفولتي” مشاهد شعرية مشبعة بروائح المكان وألوانه وتفاصيله، مستحضرة فضاءاته الشعبية وذاكرته الحميمة، إلى جانب كمال غالي، الذي يستعيد قسنطينة من زاوية الذاكرة والطفولة والتحولات التي طبعت علاقة الإنسان بمدينته.
اللافت في هذا العمل، حسب الشاعر والأكاديمي، أن قسنطينة لا تظهر في صورة واحدة ثابتة؛ فهي في بعض النصوص، مدينة التاريخ والأحداث الكبرى، وفي أخرى مدينة الجمال والطبيعة والجسور، بينما تحضر في قصائد أخرى بوصفها فضاءً للطفولة والاغتراب والحنين، بل تتحول أحيانًا إلى كائن حي يخاطبه الشاعر ويناجيه ويبوح له بأحزانه وأسئلته. ويمنح هذا التعدد في زوايا النظر المجموعة ثراءها، ويجعلها أقرب إلى فسيفساء شعرية تتجاور فيها الذاكرة التاريخية والوجدانية والجمالية.
ويكتسب حضور النصوص الشعرية القديمة أهمية خاصة، ليس باعتبارها نصوصا جمالية فحسب، وإنما بوصفها وثائق أدبية تكشف عن السياقات التاريخية والثقافية التي كُتبت فيها، وعن الكيفية التي تمثلت بها قسنطينة في المخيلة الفرنسية خلال القرن التاسع عشر. ومن ثم، فإن قراءتها اليوم تستدعي، كما أوضح المتحدث لـ«المساء”، وعيًا نقديًا يضعها في سياقاتها التاريخية، ويميز بين قيمتها الأدبية وشحناتها الإيديولوجية، لاسيما النصوص التي تناولت الحملات العسكرية والاستعمارية على المدينة.
ويتميز اختيار الدكتور أحسن دواس، بجمعه بين نصوص تنتمي إلى مراحل تاريخية وتجارب إبداعية متباينة، بما يسمح بتكوين صورة متعددة الأبعاد عن مدينة، لم تكف عن إغراء الشعراء باستحضارها والكتابة عنها. وهي خطوة تندرج ضمن الاهتمام بالتاريخ الأدبي والثقافي لقسنطينة، واستعادة النصوص التي أسهمت في تشكيل صورتها داخل الآداب المكتوبة باللغة الفرنسية.
وبخصوص عنوان الكتاب “حين تحلق طيور القطرس في سماء قسنطينة”، أوضح المتحدث، أنه يحمل دلالة رمزية موحية؛ فالقطرس، بما يختزنه من إيحاءات التحليق والرحلة واتساع الأفق، يبدو استعارة للقصائد التي تعبر الأزمنة واللغات والحدود، لتحط عند صخرة قسنطينة، حيث يلتقي المكان بالشعر، والذاكرة بالخيال، والغياب بالحضور.
وبهذا العمل، يضيف الشاعر والأكاديمي أحسن دواس، لبنة جديدة إلى مسار التعريف بالذاكرة الأدبية لقسنطينة، مقدمًا للقارئ أنطولوجيا شعرية تستحق الاهتمام، ليس فقط لأنها تجمع نصوصا تغنت بالمدينة، وإنما لأنها تفتح نافذة على تاريخ تلقيها وتمثلها في وجدان الشعراء، وتؤكد أن المدن العظيمة لا تسكن الجغرافيا وحدها، بل تواصل حياتها أيضا في القصائد، وفي ذاكرة الذين يكتبونها ويحبونها.