معرض سعيد الجامة التجريدي في رواق "راسم"

حوار جذّاب بين اللون والحركة

حوار جذّاب بين اللون والحركة
  • 169
لطيفة داريب لطيفة داريب

وجد الفنان المخضرم سعيد الجامة ضالته في الأسلوب الفني التجريدي، فهو لا يبتغي أن يُعبّر بشكل واضح وصريح، عن نظرته للحياة، ولما هو مخزون في أعماقه؛ فالحياة أعقد من ذلك بكثير، بل يتّخذ من “المُبهم” طريقا فنيا يضيء به كلّ ما هو معتّم وغير واضح، وهو ما نراه في معرضه المقام حاليا برواق "محمد راسم".

اختار الفنان سعيد الجامة في معرضه "فنون من أماكن أخرى”، الألوان والخطوط والحركات لكي تكون لغة بصرية حرّة، قادرة على التعبير عن شعوره وخوالجه، وحتى لكلّ ما يحيط به، من خلال رسمه لوحات أغلبها كبيرة الحجم، عُرضت في رواق "راسم" إلى غاية 21 أفريل الفارط. ونشهد في هذا المعرض تقاطعا بين الألوان والخطوط داخل اللوحات؛ في حركة مستمرة لا تخشى التعب ولا النهايات. وأبعد من ذلك، فقد تتّحد فيما بينها، وتعطينا أشكالا ربما ندرك كنهها، وربما نتعجّب منها؛ فلا نستطيع قراءتها إلاّ أنّنا لو تمّعنا جيّدا لوجدنا لها تفسيرا وتحليلا؛ إن لم يكن بالعين فسيكون من خلال الروح بشكل مؤكّد.

تحوّل التجريد في عالم الجامة إلى وسيلة للتواصل مع الملتقي اختارها بعناية، رافضا أن تكون أعماله شبيهة بأعمال فنانين آخرين، بل أرادها محرّرة حتى من قيود العناوين، فجعلها دون عنوان، وقدّم لها حريتها الخاصة إلى درجة أنّ كلّ لوحة يمكن أن تولّد فكرتها أثناء عملية الرسم في حدّ ذاتها. هذا التوجّه يمنح الملتقي حرية قراءة العمل الفني، بل يجعله شريكا فيه. وفي لوحة معروضة، أبرز الفنان الألوان الحارة، خصوصا اللونين الأحمر والأصفر في مواجهة مساحات داكنة ملونة بالأسود، تمتدّ الخطوط فيها، وتتفرّع في اتّجاهات متعدّدة؛ وكأنّها تتحرّك بشكل متواصل؛ فهل تتحاور الألوان فيما بينها في هذا العمل لتعبرّ بصدق عن إحساس ما؟.

وفي لوحة أخرى، اعتمد الفنان على مقاربة مختلفة تعتمد على تداخل الأشكال الهندسية فيما بينها وسط ألوان هادئة؛ مثل الأزرق والبني الفاتح (القمحي)، ما ينتج إحساسا بالتنظيم والاستقرار. كما تبدو هذه الأشكال وكأنّها أجزاء من بناء بصري متماسك، بينما في لوحة ثالثة عاد الفنان إلى إيقاعه اللوني القويّ والمتسارع، حيث نشهد تداخلا للأقواس والمنحنيات، غمر مساحة اللوحة بالحركة. وتظهر هنا الألوان الحمراء والصفراء والسوداء ترقص بإيقاع بصري؛ وكأنّه نوتات إيقاعات موسيقية، وتمنح اللوحة طاقة، تدعو الملتقي إلى التجاوب معها.

ونرى في لوحة أخرى للفنان، غلبة اللون الأصفر على بقية الألوان المستعملة. وفي أعلاها رسم الجامة هيئات، تظهر إن دقّقنا فيها أنّها أشكال أناس ملتصقين ببعضهم البعض؛ وكأنّهم يشاهدون عرضا لا ندري إن أعجبهم أم لا، بينما تبرز الأشكال المبهمة التي رسمها في لوحة أخرى وكأنّها في حلبة تتصارع فيما بينها، في حين نجد في لوحة كبيرة الحجم هيئات أكثر وضوحا؛ وكأنّها تسير الواحدة تلو الأخرى نحو وجهة معلومة أو مجهولة.

وهكذا انتقل الفنان بين نوعين من التجريد، أحدهما يقوم على اللون المتحرّك، والثاني منظّم بشكل هندسي دقيق، وهو ما يمنح المتلقي ثراء بصريا وفنيا، يكشف الأسلوب الفني لسعيد الجامة بكلّ وضوح، وتجربته الفنية المتواصلة التي تجمع بين العصرنة والتراث منذ أكثر من خمسين سنة، نتج عنها تنظيم معارض فردية وجماعية في الجزائر وخارجها. وبالمقابل، يستمر سعيد الجامة في عرض تجربته الفنية العريقة، التي تؤكّد قوة الفن التجريدي في التعبير عن المشاعر والأفكار دون الحاجة الى رسمها بشكل واقعي أو قريب منه، لتتحوّل كلّ لوحة إلى مساحة مفتوحة على الخيال، والتأويل.

للإشارة، سعيد الجامة فنان تشكيلي، غادر الجزائر شابا سنة 1969 متّجها إلى باريس؛ بحثا عن تجربة جديدة في عالم الفن. وهناك اكتشف تقنية الرسم بالأكريليك التي أصبحت أساس أعماله. وقد شكّل لقاؤه مع الرسام رولاند سنة 1982، نقطة تحوّل في مسيرته، إذ ساعده على تطوير أسلوبه الفني. كما واصل تكوينه مع عدّة أساتذة مثل آلان بونفو وأنتوني بلاسكو وآني لاكور وبريجيت غي، حتى كوَّن أسلوبا شخصيا يعتمد على التعبير التجريدي، والحركة الحرة، والألوان القوية. وبالمقابل عرض أعماله في عدة معارض في الجزائر، وفرنسا، وسويسرا وجنوب إفريقيا.