عرض "التراث الجزائري" لمراد بوسنة برواق عائشة حداد

حنين رومانسي للبهجة وضواحيها

حنين رومانسي للبهجة وضواحيها
الفنان مراد بوسنة
  • 334
 مريم. ن مريم. ن

يعبّر الفنان مراد بوسنة عن حبّه للبهجة الحضرية من خلال معرضه "تراث الجزائر" المقام إلى غاية 27 جانفي الجاري برواق "عائشة حداد"، معطيا الجمهور فسحة للعبور إلى أماكن بقيت حية في ذاكرة العاصميين، ارتبطت بأيام خوالٍ، كانت فيها الحياة أبسط وأجمل قبل أن تهجم العصرنة والتكنولوجيا، وسرعتهما التي لا تترك مكانا صالحا للذكريات.

التقت "المساء" هذا الفنان البسيط والمتواضع جالسا في معرضه، يستقبل الزوّار الذين اقتنى بعضهم لوحاته، ليقول إنّه سعيد بهذا المعرض الذي جاء بعد أكثر من عشر سنوات من الغياب عن أروقة العرض، مؤكّدا أنّ الفكرة عادت مجدّدا بعد إلحاح وترتيب من أصدقائه المقربين. وكعادته اختار التراث مضمونا للوحاته خاصة منه ذلك المرتبط بالعاصمة التي وُلد وترعرع فيها (ابن حي المدنية). وما زاده تصميما على هذا المضمون هو ارتباط العاصميين والجزائريين عموما، بتراثهم الوطني الزاخر، والحي أيضا، مضيفا: "جمهورنا يميل للتراث، وللطبيعة أيضا؛ فأردت تفعيل ذلك، وترجمته في لوحاتي؛ استجابة لكلّ هؤلاء. وها أنا أقترح 31 لوحة، بعضها رُسمت على الزجاج".

وقال الفنان إنّه تذكّر الفنانة المجاهدة عائشة حدّاد (التي يحمل الرواق اسمها)، التي شجّعته بعدما رأت أعماله حين زارت معرضه سنوات قبل وفاتها، وكان ذلك برواق “الفنون” بشارع ديدوش مراد. ونصحته حينها قائلة: "احذر أن تكفّ عن الرسم، وعليك الاستمرار".

اختيار الانطباعية في محله

أشار الفنان بوسنة خلال حديثه، إلى أنّه ملتزم بالأسلوب الانطباعي الذي يُفضّله على غيره؛ إذ يتلاءم مع هذه المواضيع التي يختارها، موضّحا أنّ هذا الأسلوب وكذا الكلاسيكي الواقعي هو المحكّ الذي يبرهن على قدرات أيّ فنان قبل أن يلج أساليب فنية أخرى؛ باعتبار أنّه القاعدة الفنية الأولى.

ويتّضح في كلّ لوحة مدى الإبداع الناتج عن فرط الإحساس، والتعلّق بماض جميل، وأصيل. كما تظهر التقنيات التي توازن بين الأبعاد والخطوط والألوان والضوء والظلّ؛ ما يعطي اللوحةَ حياة، وحركة خاصة؛ تلك التي تعكس الطبيعة؛ إذ يدرك الناظر ويسمع حركة اللوحة وسكونها بوضوح تام. ويتنسّم الزائر نسائم المتوسط من خلال الأمواج الملتطمة مع الصخر؛ وكأنّها تمازحه، وتدعوه للرقص. وفي هذه اللوحة لمنظر قديم من شاطئ عين البنيان تبرز الألوان المتدرّجة للأزرق المندمجة مع البياض.

وهي نفس الألوان التي تشترك فيها السماء والبحر، لتأتي بعدها ألوان الصخر الداكنة، والبيوت العالية التي تصلها الأمواج. وهذه اللوحة ليست الوحيدة في المعرض، بل هناك بعض اللوحات التي تبرز البحر في العاصمة وضواحيها في كلّ حالاته وسكناته، جلبت الجمهور، وبِيع بعضها. والمتمعّن في كلّ تلك اللوحات قد يظنّ أنّها تحف أثرية، رُسمت منذ قرون؛ منها لوحة لميناء قديم بالعاصمة، يبدو كميناء روماني. وعندما سألت "المساء" الفنان ردّ مبتسما: "ذلك انعكاس لتعلّقي بالماضي. وكذلك هي الألوان المختارة التي تبرز عراقة المكان".

الألوان تعرف مكانها

عموما، يختار الفنان الألوان في نفس اللحظة التي يختار فيها الموضوع، كما أوضح. وغالبا ما تنساب الألوان بعفوية؛ كأنّها تعرف مكانها، ما يجعلها طبيعية أكثر، علما أنّ كلّ الألوان مرتبطة، كما هي في الواقع، بألوان الأماكن التي تمثّل الذاكرة الجماعية؛ منها، مثلا، القصبة التي أجاد تصويرها لتكون سفيرة للتراث بامتياز. واختار من هذا الحيّ العتيق البيوت المتراصة، والدروب المتعرّجة، مع لمسة من الزخارف، خاصة تلك التي زيّنت الأبواب.   

ويرى الفنان بوسنة أنّ اللوحة التي لا تملك إحساسا وروحا تفتقد لكيانها وهويتها، وتبقى غائبة عن العين. وتتحوّل إلى مجرد صورة، مؤكّدا أنّ الإحساس يأتي من الفنان أوّلا، الذي يعطي اللوحة ما يشعر به من حنين، وذكريات، ومن بهجة المنظر. ومن ضمن اللوحات نجد مناظر لبلاد القبائل الممتدة بقراها عبر الجبال والسهول والوديان الرقراقة؛ من خلال البيوت الحجرية المغطاة بالقرميد والحشائش، مع الدروب الممتدة نحو الحقول والمراعي والوديان. وعلّق الفنان قائلا: “أردت أن تكون هذه المنطقة حاضرة في معرضي؛ فرغم أنّني لست من هذه المنطقة لكني أعشقها لجمالها الخلاق؛ من ألوان، وطبيعة ساحرة، وتراث مجيد”. 

الإبريق الأزرق.. حنين لنكهة القهوة الأصيلة

 خصّص الفنان بوسنة حيّزا للطبيعة الميتة التي ربطها بالخصوصية الجزائرية، فرسم الفواكه الموسمية الأكثر استهلاكا عندنا منها العنب. وقدّم الغلّة في أوان تقليدية من الفخار في إتقان مبهر، فيما خصّص لوحة جميلة لإبريق القهوة الأزرق الذي دخل كلّ البيوت الجزائرية بلا استثناء، وجعله مركز اللوحة، بجانبه الفناجين الجميلة، والمفرش الراقي.

وبينما تتحدّث "المساء" مع الفنان دخل صاحب متجر للوحات الكلاسيكية القديمة معروف منذ عقود في شارع ديدوش، وكان متقدّما في السن. وأبدى إعجابه باللوحات التي قال إنّها رائعة وأصيلة، وأنّها تباع بمبالغ زهيدة لا تعكس قيمتها، ما جعل الفنان يؤكّد لـ"المساء" أنّه ظلّ مفتونا بروائع الرسّامين المستشرقين، مشيرا إلى أنّه سيظلّ يرسم هذه الأصالة. وقال: “أنا أذهب للمكان الذي يشدّني، أرسمه مباشرة، ثم أترك تفاصيله لأرسمها في البيت. وأحيانا أستعمل آلة التصوير".

وبالمقابل قال إنّه لا يحبّ الأضواء والظهور كثيرا (ليس له صفحة إلكترونية على شبكة الأنترنت)، ويفضّل العمل والبحث، علما أنّه لا يكف عن الرسم. وينجز العديد من اللوحات التي تباع سريعا، بعضها يُطلب منه إنجازها. ويرى ذلك من باب “العمل الحرفي التقليدي” زيادة على حياته الأخرى الفنية. ويظلّ حلمَه مكان واسع يرسم فيه؛ إذ لايزال يرسم في بيته العائلي، وأحيانا في دكان صغير لأحد أصدقائه لا يستوعب أدواته، ولوحاته.