حاجتنا إلى الشعر دائمة
الأستاذ الدكتور عبد الله العشي
  • القراءات: 468
لطيفة داريب لطيفة داريب

الدكتور العشي في المنتدى الثقافي الجزائري:

حاجتنا إلى الشعر دائمة

أكد الأستاذ الدكتور عبد الله العشي، خلال كلمة ألقاها في العدد الثاني من المنتدى الثقافي الجزائري، الذي تم تنظيمه افتراضيا، مؤخرا، تحت إدارة الدكتور عبد القادر فيدوح، أننا بحاجة دائمة إلى الشعر، مضيفا أن الشعر ليس حالة عابرة مرتبطة بمكان أو زمان أو حالة نفسية ووجدانية مؤقتة، بل هو تعبير ضروري عن ظمأ روحي وجمالي دائم وأبدي.

اعتبر الدكتور العشي أن حاجتنا إلى الشعر كحاجتنا إلى ضرورات الحياة، الماء والهواء والطعام والجمال، ومن أجل ذلك كان الشعر في كل شيء نراه، في ذواتنا وفي ما يحيط بنا، في الواقع والخيال، في الحقيقة والأسطورة، في العلم والدين والفلسفة، في الكلام والصمت، في اليقظة والحلم. أكد الدكتور أن الشعر في كل شيء، ومهمتنا أن نستكشفه، ونحوله من حالة طبيعية إلى حالة ثقافية، من حالة الخفاء إلى حالة التجلي، مضيفا أنه لو كان الشعر حالة مؤقتة عابرة لما بقي إلى اليوم، شعر يكتب ويقرأ، تتغير أشكاله ولا يتغير جوهره، والأهم أن حاجتنا إليه حاجة دائمة، فالحاجة إلى الجمال غريزة أصيلة وثابتة، وستظل في كياننا مثلها مثل سائر الغرائز.

الشعر الراهن ليس بخير

اعتبر الدكتور العشي أن الشعر ليس بخير في الوقت الراهن، مثله مثل سائر النصوص المطلقة، تلك التي تسعى إلى أن تعبر عن المطلق الإنساني، في حوارية المعلوم والمجهول، والحقيقي والموهوم، والمغيب والمشهود، والذاتي والموضوع، وتابع أعني تلك النصوص التي تعبر عن الكلي، تدرك الإنسان بوصفه كينونة مركبة من جسد وروح، ضمير وعقل، حال ومصير، حقيقة ومجاز، نصوص لا تعتني بالثنائيات ولا تدرك التناقضات، هي أقرب ما تكون للتصوف وإن لم تكن صوفية، وأقرب إلى الفلسفة وإن لم تكن فلسفية، وإلى الدين وإن لم تكن دينية، وإلى الأسطورة وإن لم تكن أسطورية.

أضاف أن الشعر واحد من هذه النصوص المطلقة، وهذه المطلقية هي التي تضمن له استمراريته وتحميه من إكراهات ما يحيطه، وتبقيه سرا أبديا يتجدد ولا يفني، هذه المطلقية تبدو أكثر ما تبدو في تحرره من مضايقات اللغة وقواعدها، وإكراهات المعنى تعقيداته، له لغته التي يجدد ريشها في كل نص، وله معنى الذي يظهر بعضه ويفي بعضه، وله مقاصده التي تحيا على كل لسان وفي كل قراءة، فبيت شعري واحد من معلقة جاهلية ما زال حيا على الشفاه والأقلام، يبوح بسر ويغرى بأسرار لا يبوح بها، عصي على التثبيت  دائما، لا معيار له، ولا موضوع ولا شكل إلا ما يأتي من داخله، أو هكذا يريد، كل ما هناك هاجس يظل يتشكل باستمرار ويتخلق على الدوام، ينفي نفسه دائما ولكن لا ينتفي، وهذا سر بقائه.

كرر العيشي مقولة؛ إن الشعر ليس بخير في المرحلة الراهنة، لا هو ولا أشقاؤه الأنواع والأجناس، فالأرض الخصبة التي كانت ملكا له، قد امتدت إليها أيد وعبثت بها، مشيرا إلى أن الشعر يعيش في أرض العجيب والغريب والأسرار، والعالم اليوم يسعى باستمرار ليقلص من حدود تلك المناطق، ويزيل عنها سرها وخفاءها، وبالتالي ثراءها ودهشتها وفجائيتها، مذكرا أن الشعر يحيا في أرض الهشاشة وبها يلتقط تفاصيلها في الإنسان والحياة، ويترجمها إلى ألوان وإيقاعات وصور، غير أن الهشاشة تم ترذيلها وإخراجها من فضاء المعنى الجميل إلى هامش أشبه ما يكون بقبر هرم، فالشعر يتفتح في عوالم الخيال التي حاصرتها الآن تقنيات الفضاء وقلصت من مساحة المتخيل، بالتالي من حجم ما كان متاحا للشعر من قبل.

الشعر فن اللانهايات

اعتبر الدكتور أن الشعر فن اللانهايات، يجد متعته فيما لا تحده حدود، لكن التكنولوجيا قلصت من حريته ووضعت في طريقه أكثر من عائق، لأنها لا تؤمن باللانهاية، أسئلتها لا تبقى معلقة بينما يرفض الشعر تماما أن تنتهي أسئلته إلى إجابات ثابتة، إجاباته منفتحة دائما على اللانهاية. وبين منطق اللانهاية الشعري ومنطق النهاية العلمي المهيمن، تشققت أصابع الشعر وتطايرت أظافره.

كما أكد الدكتور أن الشعر يستمد أحيانا من الذاكرة، وقد حاصرها الآن سلطان النسيان، فالتكنولوجيا الآن تنفي ما استقر في الذاكرة بشكل متواصل، فلا يستقر فيها شيء، حتى صار النسيان هو القاعدة وتحولت الذاكرة إلى هامش صغير باهت، مضيفا أن الشعر يرافق الضعف الإنساني البهيج القابل للحياة والمليء بالقيمة، وقد تم الآن إفراغ هذا الضعف من معناه الجمالي، هذا الضعف هو مسكن المشاعر والأخلاق والضمير والجمال، وبالمعنى السوسيولوجي، يمكن ترجمة هذا الضعف بالقول إن الطبقات الوسطى التي كانت تمثل خزان القراء، والمتلقين للفن والجمال أصبح عددهم محدودا، لأن كثيرا منهم تحول إلى الطبقات العليا التي تنشغل بغير الفن أو الطبقات الدنيا التي تنشغل أيضا بغير الفن، وهكذا تم تيتيم الشعر وتغريبه في دنياه.

اعتبر العشي أن الشعر ابن المعنى والقيمة والأسطورة والحلم، وكل تلك تم تجاوزها بالمنطق الرقمي والعقل الأداتي، على حساب منطق الروح وعقل التواصل، ليتساءل كيف للشعر أن يكون بخير في عالم يقلص من حركية اللغة ونفوذها وسلطان مجازها، من أجل توسيع هيمنة الصورة والرقم والأداة، كيف له أن يذهب بعيدا نحو العمق  والرؤيا وقد حاصرته السرعة والسيولة والمجانية والربح بأي شكل كان؟ وتابع رغم ذلك يظل الشعر قيمة إنسانية عليا بحمولته الجمالية والايتيقية، ويظل معنى متأهبا للانتصار للإنسان وإنسانيته، المجد للإنسان والمجد للشعر أينما كان.

العدد 7272
30 نوفمبر 2020

العدد 7272