الحقوق الرقمية ملف أمن ثقافي لا مجرّد إجراء إداري

جاب الله يرافع من أجل استراتيجية ثقافية سيادية

جاب الله يرافع من أجل استراتيجية ثقافية سيادية
الدكتور حمزة جاب الله
  • 230
نوال جاوت نوال جاوت

في سياق التحوّلات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي، لم تعد مسألة الحقوق الفكرية والفنية مجرّد ملف إداري أو تقني، بل تحوّلت إلى أحد مكونات السيادة الثقافية للدول، بما تحمله من ارتباط مباشر بالتراث غير المادي، وبصورة الدولة داخل المنظومات الإقليمية والدولية؛ لحماية الملكية الفكرية.

وضمن هذا الإطار، نشر الدكتور حمزة جاب الله عبر صفحته الرسمية على "فايسبوك"، ورقة بحثية، تندرج ضمن سلسلة من المقالات التحليلية التي دأب على تقديمها منذ مدة، والتي تتناول جملة من القضايا المرتبطة بضرورة بلورة استراتيجية ثقافية وطنية، قائمة على معطيات ميدانية واقعية، وعلى قراءة استشرافية لمخاطر الحوكمة غير المتوازنة في مجال الحقوق الرقمية.

تنطلق الورقة من معاينة فجوة مقلقة بين ما يتيحه العالم اليوم من أدوات تقنية متقدّمة لتثمين المصنفات الفنية رقميًا، وبين ضعف العائدات المحصلة فعليًا من استغلال الإنتاج الفني الجزائري. ولا تُقدَّم هذه المعاينة بمنطق الاتهام أو التشكيك، بل بوصفها مؤشّر اختلال موضوعي، يستوجب التوقّف عنده، خاصة حين يمتدّ عبر الزمن دون تقييم منشور، أو تصحيح مُعلن؛ ما يطرح إشكالية غياب آليات القياس، والمساءلة المؤسسية.

وفي هذا السياق، تحذّر الورقة من اختزال مفهوم السيادة الرقمية في مجرّد اعتماد أدوات تقنية أو منصات رقمية، إذ تُظهر التجارب المقارنة أنّ الرقمنة إذا لم تُدمج ضمن منظومة شاملة تشمل آليات تحصيل واضحة، وأجهزة رقابة فعّالة، وتشريعا مُحيّنا ومتكيّفا مع المستجدات، قد تتحوّل إلى واجهة تحديث شكلي، تُنتج وهم الإصلاح دون أثر اقتصادي أو حقوقي حقيقي، وهو ما يُعدّ، حسب أدبيات الحوكمة العمومية، خطرا مؤسّسيا، قد يؤخّر الحلّ بدل أن يقرّبه.

وتولي الورقة أهمية خاصة لمسألة تفويض تحصيل الحقوق الرقمية خارج التراب الوطني، باعتبارها نقطة شديدة الحساسية، لما تنطوي عليه من نقل للبيانات الثقافية، وتصنيف للمصنّفات الوطنية، وربطها بمنظومات أجنبية. وفي غياب إطار قانوني وطني مُسبق، وآليات رقابة شفافة، وضمانات دقيقة للتتبّع والتدقيق، قد يتحوّل هذا المسار، حتى دون سوء نية، إلى ثغرة تمسّ بالتحكّم الوطني في التراث الفني.

كما تثير الورقة مسألة تركُّز القرار المالي والتقني في غياب آليات التوازن والرقابة، مبرزة أنّ هذا الوضع، وفق مبادئ التسيير العمومي الرشيد، لا يُصنَّف كخطأ فردي بقدر ما يُعدّ عامل هشاشة مؤسّسية. فغياب الفصل الوظيفي، والتقارير الدورية، والتقييم المستقل، يخلق بيئة قابلة للاختلال حتى في ظلّ حسن النوايا، وهو ما يجعل من الإصلاح البنيوي ضرورة لا خيارًا.

وتؤكّد الورقة أنّ خطورة الوضع لا تكمن في واقعة معزولة، بل في تراكم المؤشّرات عبر الزمن، وارتباطها بملف سيادي لا يمكن تدارك خسائره بسهولة. فالتراث الرقمي، حين يخرج عن السيطرة الوطنية، لا تُقاس خسارته بالأرقام فقط، بل بما يمثله من تآكل للذاكرة الجماعية، وللسلطة الرمزية للدولة.

وفي انتقال واعٍ من التشخيص إلى الاقتراح، يضع الدكتور جاب الله جملة من التوصيات التحسيسية التي يمكن اعتبارها نواة استراتيجية ثقافية سيادية، من خلال الدعوة إلى التعامل مع الحقوق الرقمية؛ بوصفها ملف أمن ثقافي، لا مجرّد إجراء إداري، وإطلاق تقييم مؤسّسي مستقل بطابع وقائي لا عقابي، مع تحيين الإطار القانوني قبل الانخراط في أيّ شراكات خارجية، وترسيخ مبدأ الشفافية الاستباقية بدل الاكتفاء بالمعالجة اللاحقة، إلى جانب تثمين الكفاءات الوطنية بوصفها خطّ الدفاع الأوّل عن السيادة الرقمية.

وتختتم الورقة بتأكيد منهجي واضح، مفاده أنّ هذا الطرح لا يدّعي امتلاك الحقيقة، ولا يسعى إلى تحميل المسؤوليات لأشخاص بعينهم، بل يندرج ضمن منطق التنبيه الوقائي، القائم على تحليل المسارات والآليات لا النوايا. فالتنبيه المبكر حين يُصاغ بلغة هادئة ومسؤولة، لا يُعدّ خروجًا عن الدولة، بل فعل ولاء لها، وسعيًا لحمايتها من أزمات قد يصبح احتواؤها لاحقًا أكثر تعقيدًا.