معرض فنانات قسنطينة بقصر الثقافة

توقيعات أنثوية مستوحاة من الأبهة

توقيعات أنثوية مستوحاة من الأبهة
  • 923
مريم. ن مريم. ن
احتضن قصر الثقافة «مفدي زكريا» معرضا تشكيليا جماعيا لحوالي 20 فنانة تشكيلية قسنطينية، تحت لواء الطبعة السادسة للمهرجان الوطني لإبداعات المرأة، وعكس رقي المشاركات ومستوى تكوينهن الفني الأكاديمي وقدراتهن الخارقة على تسليط الضوء على خصوصية المرأة القسنطينية العريقة.
تميزت طبعة هذه السنة باستضافة مدينة قسنطينة باعتبارها عاصمة الثقافة العربية، تحت شعار «أريج الفنون»، وفي زيارتها للمعرض، التقت «المساء» بالفنانة أمينة جمعة (طالبة على أبواب التخرّج من مدرسة الفنون الجميلة) المشاركة بثلاث لوحات، كلّها في أسلوب نصف تشخيصي كونه المفضّل عندها وموضوع اختصاصها الأكاديمي، وحرصت في اللوحات التي قدّمتها على تغييب واستبعاد حاسة العين والنظر عموما، كنوع من التعبير عن الفنان الذي يفقد الرؤية لفقدانه وسائل التعبير، كما استعانت في لوحاتها برمزية الجنس الموحّد والمبهم كنوع من المساواة بين الرجل والمرأة، أشارت أمينة في حديثها لـ»المساء»، إلى أنّ المشاركة جاءت بعد تصفيات شاركت فيها فنانات قسنطينة، بالتالي حضرن بقوة وحضرت معهن أقدم فنانة، هي ليلى بغلي التي كرّمت بالمناسبة على مشوارها الفني الحافل.
من جهة أخرى، أكدت المتحدثة أنها ملتزمة باستعمال الألوان النقية، أي استعمال كلّ لون على وضعيته الطبيعية وغالبا ما تستعمل لونها المفضّل الأزرق وكذا رفيقه اللون البرتقالي، وهما لونان متضادان ومتكاملان في نفس الوقت، وعند مزجهما يعطيان ظلا قويا ورائعا، كما تستعين بالأزرق بأسلوب نصف تشخيصي، لإثارة مواضيع فلسفية ويتحدّث الأزرق على لسانها من خلال خيوط ومساحات توضع غالبا على حواف اللوحة تعبيرا منها على أنّ الفنان في قسنطينة لا يزال مهمّشا.
وأوضحت الفنانة أنّه سبق لها وأن شاركت في معارض بمدينتها وكلّها جماعية، كما عرضت بالمركز الثقافي الفرنسي في قسنطينة وبالجامعة وبأروقة «محمد العيد آل خليفة»، وباعتبارها مصوّرة فوتوغرافية أيضا، فهي تزاوج بين الفنين وتنوي قريبا تصوير لوحاتها فوتوغرافيا لتعرضها في معرض خاص بالعاصمة، كما تبقى أمنية هذه الشابة اليافعة والمجتهدة أكاديميا، أن تحوز على الإمكانيات المادية اللازمة لفتح رواق الفنون التشكيلية بقسنطينة التي تنعدم بها الأروقة الخاصة.
تضمّن المعرض أعمال مشاركات أخرى تباينت أساليبهن الفنية، لكنهن اشتركن في مستوى الإبداع ورقي التقنيات المستعملة وفي استحضار أبهة الحياة القسنطينية التقليدية، ومن بين المشاركات؛ الفنانة فريدة أبركان (قاضية بمحكمة قسنطينة، ثم عضو في مجلس الدولة قبل تقاعدها)، التي تتميّز أعمالها بالدقة المتناهية وغالبا ما تستقي أعمالها من الفسيفساء الرومانية.
أمّا الفنانة سامية فيلالي، فكانت أعمالها من ذهب، حيث ساهمت في ترميم قصر الباي والجامع الكبير بقسنطينة، وأقامت معارض عبر التراب الوطني، كما أنّها متحكمة في كل التقنيات، ترسم ببراعة حياة الجزائريين المستمدة من تاريخهم العريق، معتمدة على الألوان والنقش، وأبدعت خلال هذا المعرض في إبراز عراقة المرأة العاصمية ذات الحايك المذهب والحلي التي تزيّن وقارها وحشمتها، كذلك في لوحتها «نجمة» التي تظهر فيها أرجل نساء مكلّلة بالخلاخل الذهبية وحواف الفساتين المطرزة بالذهب والألوان والزرابي المطروحة المزركشة والأضواء الكاشفة، لتبدو هذه الأعمال تحفا رسمت في قرون خلت.
الفنانة فايزة استمدت الإلهام من المرأة القسنطينية التي ترسمها منذ نعومة أظافرها والتي جعلت منها الموضوع الحصري لرسمها، معتمدة على كلّ أشكال التعبير التصويري وشبه الرمزي، خاصة عندما ترسم المرأة القسنطينية بالملاية والقبائلية بالفوطة والشاوية بالخلخال، وقدّمت في عرضها أشكالا تكعيبية بألوان صاخبة، معبرة عن الأنوثة والأمومة وكانت تستعين دوما بالملاية كرمز للقسنطينية وأحيانا تتعمد إظهار الجمال الفتان لهذه المرأة التي لا تستطيع حتى هذه الملاية إخفاءه، حيث رسمت أم قسنطينية شابة بالملاية والعجار، تغمض عينيها برفق وتبتسم مستمتعة وهي ترضع وليدها، لتبرز الفنانة ثدييها المليئتين بالعطف والحنان، إذ أنّ الأمومة هي الجمال الحقيقي لأية امرأة.
أعمال أخرى في شتى الأساليب والمدارس الفنية عرضت العادات والتقاليد والطبيعة الساحرة، حيث تفجرت الألوان بالعبق وتفتحت السماء بالأزرق النقي العاكس للصفاء والحب والطمأنينة، إلى جانب مواضيع أخرى تتناول حياة المرأة بشكل خاص في أبعاد فلسفية واجتماعية تعبّر عن عالم المرأة الحسّاس، سواء كان ملموسا أو وهميا وبالاستعانة أيضا بالرمز كطرف هام في الهوية، إلى جانب استحضار الحياة اليومية التقليدية التي تنبذ المصنع والجاهز، خاصة فيما يتعلق بالطعام وأوانيه الخاصة.