"رحلة في قلب الألوان" لمريام حاج العربي

توغل في الطبيعة وجلسات تراث وطلة لوجه القمر

توغل في الطبيعة وجلسات تراث وطلة لوجه القمر
  • 209
مريم. ن مريم. ن

تبدي الفنانة مريام حاج العربي انحيازها المطلق للمرأة، مصدر كل إحساس، وترصدها بريشتها المطواع حيثما كانت، مثمنة نضالها من أجل الحياة والجمال، مستندة في إبداعاتها على البعد الهوياتي، الذي غالبا ما يرتبط بالمرأة حاضنته الأولى، وتتوغل الفنانة أيضا في الطبيعة، ليبرز فيها مسارها في البحث والممارسة.

أقامت الفنانة التشكيلية مريام حاج العربي معرضها "رحلة في قلب الألوان" برواق "عائشة حداد"، إلى غاية الرابع ماي، مستحضرة أنوار وألوان مضيئة بالتراث والطبيعة، معطية للريشة حرية التصرف في ترجمة أحاسيسها وقناعاتها الراسخة. واستخدمت الفنانة في معرضها، العديد من الخامات، منها مادة الكرتون والقطن، علما أن غالبية الألوان التي استعملتها كانت مائية، طرحت من خلالها مشاهد ممتعة وذات دلالات صريحة، وأخرى مجازية، خاصة فيما تعلق بموضوع المرأة.

تبدو الشخصيات المرسومة وكأنها تؤدي أدوارا مسرحية، مما يعطي الانطباع، أنها كانت تتهيأ للتصوير وفق سيناريو معد مسبقا من الرسامة، وطبعا فإن لكل مشهد خاماته المستعملة وألوانه الخاصة وتقنياته التي تفرضها طريقة التعبير. عبر أكثر من 30 لوحة ضمها المعرض، تقفز الفنانة بين الألوان، مركزة أكثر على تلك الحيوية، والتي تحمل في ذاتها قوة الانفجار، وكأنها تعبر عن عمق الكون الملتهب الذي لا يقبل الجمود أبدا، ومن الألوان المختارة، هناك الكثير من البرتقالي والأصفر والأحمر، وكذلك بعضا من الأزرق، طعمت بها الشخوص والرموز والأشكال الهندسية المكعبة.

تعطي الفنانة الزائر فسحة من التنزه عبر قارة الجزائر، من خلال طبيعتها وتقاليدها المتنوعة وثقافتها الضاربة في أزل التاريخ، ومن ضمن ما قدمت، لوحات عن "الصحراء" و"جلسات الشاي" و"همسات النسوة" و"قرية الرمل"، لتسرع بعدها نحو أقصى الشمال، وبالضبط إلى القصبة، حيث الحنين كله يفيض بذكريات وتاريخ، ما يجعل الزائر يدخل معها لهذا الحي العتيق، ويتنسم الماضي الجميل في الأزقة والدروب والقصور والدويرات المرصعة بالزليج ونباتات الزينة وغيرها، علما أنها أطلقت على لوحات القصبة "لالة القصبة" تكريما ورفعة لها.

تستمر اللوحات في حديثها عن التراث، لتصعد لجبال جرجرة الشامخة، حيث تتلألأ الألوان في كل مكان في الطبيعة، وفي اللباس المزركش التي اختارت منه الفنانة "الفوطة"، وخصصت لها بورتريها لرمزيتها في التراث القبائلي، كما صورت في لوحة أخرى، تفاني المرأة الريفية القبائلية في العمل، وهي تحمل بثبات جرار الماء ذهابا وإيابا دون تعب أو شكوى، خدمة لأسرتها، ثم توقفت الفنانة ميريام عند خط التيفناغ، وتكتب بعض حروفه وتحتها كتبت بالفرنسية “عن السلام الذي يلامس الروح في لحن هادئ يداعب القلب"، ثم عبارة أخرى “الحب شعلة دائمة تضيء القلب وشعر توشوش به الروح".

ثمنت الفنانة أيضا، اللباس التقليدي، منه العاصمي، في جلسات قعدة العصر، وكذلك ألبسة أخرى مرفوقة بالمعالم الأثرية والسياحية، ضمن لوحة "روائع الجزائر"، كذلك لوحة "الذكريات"، حيث زوجان (الوالدان) يجلسان في بيت عتيق بلباسهما التقليدي حول مائدة القهوة، كما لاقت لوحة "وجه وظهر" الإقبال، وتصور في جزئها العلوي سيدة بالحايك والعجار، وفي أسفلها رجل بالطربوش”.

جالت الفنانة أيضا في التراث الإفريقي الجميل، من خلال المرأة أيضا بلباسها المنفجر بالألوان، وأيضا في “مرشد القمر” الإفريقي، الذي يحاول أن يري العالم تراث القارة السمراء، وغيرها من اللوحات، وظهرت في المعرض أيضا راقصة الفلامينكو بعنوان “تدير ظهرها للعالم”، وكأنها تكتفي بالماضي وتفضله على عالم اليوم.

ظهرت بالمعرض أيضا، الكثير من لوحات الحيوانات، جلبت الأطفال الذين دخل بعضهم مرفوقا بوالديه، ومنها لوحة “الحمار الوحشي في الحوض”، بدا فيها الحمار الوحشي فرحا وهو يستحم في حوض البيت، وتحيط به نباتات الزينة، التي جعلته يعتقد أنه لا يزال في الغابة ، ثم لوحة “الحارس الأمين” وهو نمر يجلس على أريكة حمراء فاخرة، وكذلك لوحة الحصان، ولوحة الغزال الذي يأخذ وجهه حيزا من لوحة كبيرة، وهو يطل من بين الأشجار، ذكرت البعض برسومات تلك الزرابي التي كانت تعلق في الماضي على جدران البيوت.

ظهر من خلال المعرض، مدى التزام الفنانة بالأسلوب الواقعي، هذا الأسلوب المحبوب عند الجمهور، والذي لا يجرؤ على الاقتراب منه الفنانون الفاشلون، الذين يختبئون وراء عباءة التجريدي ويتصفون به بهتانا وعدوانا، لا لشيء إلا من أجل الاستسهال، ثم تعقيد هذا الجمهور بفن لا يفهمه السواد الأعظم منه، ولا يرى فيه خصوصيته وتراثه ومختلف المعاني الأخرى.