إصدار جديد للكاتب والصحفي محمد بدر الدين

توثيق لزاوية سيدي أحمد بن يحي بأمالو

توثيق لزاوية سيدي أحمد بن يحي بأمالو
الكاتب والصحفي محمد بدر الدين
  • 107
الحسن حامة الحسن حامة

أصدر الكاتب والصحفي محمد بدر الدين، مؤخرًا، كتابا جديدا يسلط الضوء على إحدى أعرق الزوايا بولاية بجاية. ويتناول تاريخها، ومؤسسها، وأدوارها الدينية والعلمية والاجتماعية عبر قرون من الزمن، عنوانه "زاوية الولي الصالح والعالم الصوفي سيدي أحمد بن يحي"، الواقعة ببلدية أمالو. ويأتي هذا الإصدار للتعريف بهذه الزاوية العريقة، التي تُعد، بحسب ما يورد المؤلف، إحدى منارات العلم والإيمان في بجاية والجزائر، إلى جانب تسليط الضوء على مؤسّسها الولي الصالح سيدي أحمد بن يحي، الذي تشرفت منطقة بني عيدل (آث عيدل) باستقباله في بداية القرن الثامن الهجري.

وعلى مدار قرون اضطلعت الزاوية بدور بارز في تعليم القرآن الكريم وعلوم الدين. وتخرّج منها عدد كبير من الطلبة والعلماء، الذين واصل بعضهم مسيرتهم العلمية والتدريسية في زوايا ومساجد أخرى. ومن بينهم الشيخ الراحل الطاهر آيت علجت. كما تداول على الإمامة والتدريس بها عدد من الشيوخ والعلماء، من بينهم الشيخ السعيد اليجري، الذي كان من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931.

ويتضمن الكتاب سبعة فصول، وثلاثة ملاحق، يقدم من خلالها المؤلف مجموعة من المعطيات التاريخية والعلمية، إلى جانب وثائق ومعلومات مرتبطة بالزاوية ومؤسسها، وبعدد من الشخصيات التي ارتبطت بها؛ من طلبة ومشايخ ومدرسين. ويوضح محمد بدر الدين أن اختياره هذه الزاوية موضوعًا لكتابه، يعود إلى أهمية ودور الظاهرة الدينية في حياة المجتمع عامة، وفي حياة عرش آث عيدل بصفة خاصة. 

ويقول المؤلف في هذا السياق إن ملاحظاته الميدانية وما اطلع عليه خلال إعداد البحث، أبرزت أهمية هذه المؤسسة الدينية في تنظيم حياة الأهالي، فضلًا عن إسهاماتها في المجالات الدينية، والعلمية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، وهو ما يستدعي، بحسبه، دراسة هذه الأدوار بصورة موضوعية، والتعريف بتعدد وظائف الزاوية، وتنوعها عبر مسارها الطويل. كما يتناول الكتاب ظاهرة الأشراف والمرابطين في المغرب الأوسط ومنطقة القبائل، مع التركيز على نسب مؤسس زاوية أمالو، سيدي أحمد بن يحي.

وفي هذا الجانب، يستند المؤلف إلى وثيقة محفوظة لدى الزاوية، حررها العالم أحمد بن محمد بن اغربي البجائي سنة 722 هجرية، وشهد عليها 12 عالمًا من علماء بجاية، حيث تورد الوثيقة نسب سيدي أحمد بن يحي، وصولًا إلى الحسين بن علي وفاطمة الزهراء. ويلفت المؤلف إلى أن عددًا من الزوايا التي كانت عامرة في المنطقة، توقفت عن النشاط عبر الزمن، فيما لاتزال بعض الزوايا التاريخية قائمة بحوض الصومام، من بينها زاوية أمالو، وزاوية تمقرة، وزاوية سيدي السعيد بمسيسنة.

ولم يكتفِ الكتاب بالتوثيق التاريخي، بل خصص المؤلف فصلًا كاملًا لطرح جملة من المقترحات الهادفة إلى تطوير هذه المؤسسة العريقة، والحفاظ على دورها، من خلال اعتماد آليات حديثة في التسيير، وتحديث برامج التدريس، وفتح الزاوية أمام العنصر النسوي، وتطوير التسيير الاقتصادي للأملاك الوقفية، وتعزيز الاتصال والعلاقات العامة، إلى جانب السعي لاسترجاع مخطوطات الزاوية، وتراثها المادي والوثائقي.

ويشكل هذا الإصدار إضافة إلى جهود توثيق تاريخ الزوايا في منطقة القبائل وبجاية، من خلال تتبّع مسار زاوية سيدي أحمد بن يحي، وتطورها على امتداد نحو سبعة قرون، ورصد إسهاماتها الدينية والعلمية والخيرية والاجتماعية رغم ما يواجه البحث في هذا المجال من صعوبات مرتبطة بقلة المصادر، وضياع جزء من أرشيف الزاوية. ويضع الكتاب، بذلك، زاوية سيدي أحمد بن يحي بأمالو ضمن دائرة الاهتمام التاريخي والثقافي؛ باعتبارها مؤسسة دينية وعلمية، ارتبطت، على مدى قرون، بذاكرة المنطقة، ومسارها الديني والعلمي والاجتماعي.