الملتقى الدولي "ثقافة المقاومة بين التاريخ والذاكرة والمخيال"
تنصيب اللجنتين العلمية والتنظيمية
- 259
لطيفة داريب
تمّ بمقر المحافظة السامية للأمازيغية، أوّل أمس، التنصيب الرسمي للّجنتين العلمية والتنظيمية المكلفتين بتنظيم الملتقى الدولي الموسوم بـ«ثقافة المقاومة بين التاريخ والذاكرة والمخيال" ببجاية؛ تخليدا للذكرى السبعين لانعقاد مؤتمر الصومام.
انطلقت الفعالية بإلقاء السّيد سي الهاشمي عصاد، الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، كلمة، قال فيها إنّ تنظيم الملتقى الدولي الموسوم بـ "ثقافة المقاومة بين التاريخ والذاكرة والمخيال" من طرف المحافظة السامية للأمازيغية ومساهمة من اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة ووزارة المجاهدين وذوي الحقوق وولاية بجاية، هو إحياء للذكرى السبعين لانعقاد مؤتمر الصومام، التي تُعد محطة تاريخية مفصلية، أرست قواعد التنظيم الثوري، ورسّخت البعد السياسي والمؤسساتي لثورة التحرير الجزائرية المباركة. كما يعكس إرادة الدولة الجزائرية في تثبيت الذاكرة الوطنية، وصون تاريخها المجيد؛ وفاءً لتضحيات الشهداء والمجاهدين، وترسيخا لقيم الاستقلال، والسيادة، والكرامة الوطنية.
وأضاف عصاد أنّ موضوع الملتقى الذي سينظَّم في أوت المقبل ببجاية، يتقاطع بصورة مباشرة، مع جهود المحافظة، لأنّ المقاومة الجزائرية لم تكن، فقط، فعلا عسكريا، بل كانت، أيضا، ثقافة، ولغة، وخيالا جماعيا، عبرّت عنه مختلف روافد المجتمع الجزائري، ومنها العمق الأمازيغي الذي شكّل عنصرا أصيلا في مسار النضال الوطني. وتابع أنّ الذاكرة الوطنية ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي ركيزة سيادية لبناء الأمة، وصون وحدتها.
وقد أكد الدستور الجزائري هذا المعنى في ديباجته، وفي عدد من مواده، حيث نصّ على أن الثورة التحريرية تمثل مصدر فخر وإلهام للأجيال، وأن الدولة ملتزمة بحماية مقومات الهويّة الوطنية، والحفاظ على رموزها التاريخية. كما نصَّ أيضا على أن الجزائر تقوم على مبادئ الوحدة الوطنية، والانتماء، والاعتزاز بالعمق التاريخي والحضاري للأمة، في إطار هوية جامعة، تتكامل فيها مختلف المكونات الثقافية واللغوية للشعب الجزائري. وفي هذا السياق، جاء قرار تأسيس اللجنة الوطنية للذاكرة كمبادرة استراتيجية تعكس هذا الالتزام الدستوري والتاريخي، وتجسّد حرص الدولة على ضمان نقل الحقيقة التاريخية للأجيال القادمة، ومواجهة محاولات التزييف والنسيان، ضمن رؤية مؤسساتية وعلمية متكاملة، أضاف عصاد.
وقال المتحدّث إنّ هذا اللقاء يمثل بداية الشروع الفعلي في التحضيرات العلمية والمؤسساتية لهذا الملتقى الدولي الهام، قبل ستة أشهر كاملة من موعد انعقاده، المزمع تنظيمه بولاية بجاية. كما سيكون هذا الحدث، في جوهره، نشاطا أكاديميا محضا، يفتح المجال أمام الباحثين والخبراء من داخل الوطن وخارجه؛ لمساءلة قضايا الذاكرة، والمقاومة، واللغات والمخيال، غير أنه سيكون، كذلك، مدعوما، ومرفقا بـمبادرات فنية وثقافية، ومعارض مناسبتية متنوعة، تُساهم في توسيع أثر الملتقى، وربط البحث العلمي بالتعبير الإبداعي، وبالفضاء المجتمعي العام.
أما عن احتضان بجاية هذا الملتقى، فذكر المتحدث أن ذلك راجع لما تحمله المنطقة من رمزية تاريخية وثقافية، ليؤكّد مجدّدا أنّ هذا الملتقى يندرج ضمن التوجّهات الكبرى للدولة الجزائرية في مجال تثبيت الذاكرة الوطنية، وصون التاريخ، وترقية الثقافة والبحث العلمي؛ انسجاما مع الرؤية الاستراتيجية، وتوجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي جعل مسألة الذاكرة الوطنية أحد المرتكزات الأساسية لبناء الجزائر المنتصرة، وتعزيز وحدتها، وسيادتها.
وبعدها تم، مباشرة، التنصيب الرسمي للّجنة العلمية للملتقى الدولي، حيث قرأت السيدة فريدة ياسف، عضو المحافظة، أسماء أعضاء اللجنة، وهم لحسن زغيدي، وفريد بن رمضان، وليلى مجاهد، وحسان مغدوري، ومراد حمزاوي، وعلي زيكي، وستار عثماني، ومحمد الهادي حارش، وزين الدين قاسيمي. كما تم، بالمناسبة، تقديم أسماء أعضاء اللجنة التنظيمية للملتقى، وهم فريدة ياسف، وآمال قراوي، ووهاب بوعافية، وهجيرة بن بليل، وراضية مورس، وعبد الحق آيت عباس، ومليكة داود، وسي عيسى بوعليلي.
ومن جهته، ألقى الأستاذ لحسن زغيدي، رئيس اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة، كلمة، ذكر فيها أهمية مؤتمر الصومام الذي انعقد في 20 أوت 1956 بصومام (بجاية)، مشيرا إلى أنّ من خطّوا بيان أوّل نوفمبر هم أنفسهم من خططوا، وقرّروا، واجتمعوا، ووضعوا الأسس لتنظيم وهيكلة الثورة في مؤتمر الصومام بكلّ أبعاده الفكرية، والتنظيمية، والعسكرية، والسياسية، وكل ما يتعلّق بالمجتمع الجزائري داخل وخارج الوطن.
وأكّد زغيدي أنّ مؤتمر الصومام هو الذي حدّد الحدود الحالية للجمهورية الجزائرية، وبنى أمة جزائرية موّحدة، بالإضافة إلى وضعه أسسا تخصّ تنظيم المجتمع الجزائري في إطار مدني وديمقراطي، مشيرا إلى تجسيد المؤتمر مبادئ حقوق الإنسان، ووضعها في إطار ثوري. وقال إنّ قانون تجريم الاستعمار الذي صوّت عليه البرلمان مؤخرا، نابع من أسس معلنة في بيان أوّل نوفمبر، ومؤتمر الصومام. كما إنّ مشروع الدولة الذي جاء به الرئيس تبون والذي يضم 54 منطلقا، هو دلالة على النهل من التاريخ الوطني والذاكرة لبناء الجزائر المنتصرة.
أما السيد حسان مغدوري ممثل وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، فذكر في مداخلته أنّ المقاومة لا تعني فقط الجانب العسكري، بل تشمل، أيضا، الفكر، واللباس، والتعبير، والسلوك، والثقافة، مضيفا أنّ تنظيم هذا الملتقى الدولي يُعدّ فرصة لمختلف التخصّصات الجامعية للمشاركة فيه، باعتبار أنّ البحث التاريخي في حاجة ماسة لبلورة مفهوم شامل يربط بين التاريخ والذاكرة والمخيال. وبالمقابل، تحدّث السيد مراد حمزاوي ممثل بجاية، عن سعادة ولايته لاحتضان هذا الملتقى، مثل ما كانت كذلك بتنظيمها مؤتمر الصومام.
وبدوره، أشار الأستاذ وعضو اللجنة فريد بن رمضان، إلى أهمية تسليط الضوء على ثقافة المقاومة، التي عدَّها مبدأ أساسيا في تاريخ الجزائر، مضيفا أن مؤتمر الصومام استطاع هيكلة المجتمع الجزائري في مرحلة تاريخية صعبة. وذكر أهمية الثقافة الشفهية في الحفاظ على الذاكرة والمخيال، ممثلا بحكايات شعبية قصتها الجدات، وأغان غنَّينها أيضا؛ مثل أغنية "طيارة صفراء".