البروفيسور صالح بلعيد:
تمكين اللغة العربية مشروع معرفي وحضاري متكامل
- 214
نوال جاوت
أكد البروفيسور صالح بلعيد، أن تمكين اللغة العربية، يبدأ من الوعي بأن قوة اللغة لا تقاس فقط بعدد الناطقين بها، وإنما بقدرتها على إنتاج المصطلح، واستيعاب العلوم ومواكبة المستجدات، والتعبير عن التحولات التي يشهدها المجتمع والإنسان. وأضاف أن المجلس الأعلى للغة العربية، حرص في مختلف برامجه ومشاريعه، على جعل تمكين اللغة العربية مشروعا معرفيا وحضاريا متكاملا، لا يقتصر على المجال اللغوي في حد ذاته.
قال البروفيسور، أول أمس، في ندوة "جهود المجلس في تمكين اللغة العربية ورقمنتها وتعزيز حضورها الترجمي”، التي استضافها جناح وزارة الثقافة والفنون برواق "فلسطين"، إن التمكين والرقمنة وكذا الترجمة، حلقات متكاملة في مشروع واحد عنوانه "تعزيز حضور اللغة العربية في الحاضر وبناء قدرتها على صناعة المستقبل"، مشددا على أنه لا تمكين حقيقيا للغة، من دون أن تكون حاضرة في الفضاء الرقمي، ولا حضور رقميا مكتملا من دون موارد لغوية ومعرفية رصينة، ولا انفتاح حضاريا فاعلا من دون ترجمة، تتيح للعربية أن تتفاعل مع غيرها من اللغات، وأن تجعل إنتاجها العلمي والثقافي متاحا للإنسانية جمعاء.
وزاد في تدخله، أن المجلس يواصل عمله في إطار رؤية، تقوم على التكامل بين البحث العلمي والعمل المؤسساتي والخبرة الأكاديمية والتكوين والتأليف والترجمة والتقنيات الحديثة، إيمانا منه بأن خدمة اللغة مسؤولية مشتركة، وأن مستقبلها يبنى بتضافر جهود الجامعات والباحثين والمثقفين والمؤسسات والإعلاميين والمبدعين.
وختم البروفيسور تدخله، بتجديد التأكيد على أن العناية بالعربية ليست عودة إلى الماضي، بل استثمار في المستقبل، وأن صون الهوية اللغوية لا يتعارض مع الانفتاح على العصر، بل إن اللغة القوية هي التي تنفتح على الجديد، وتستوعب المعرفة، وتستفيد من التكنولوجيا، وتنتج المصطلح، وتخوض غمار الترجمة، وتشارك في صناعة المشهد الثقافي والعلمي العالمي، وبذلك يكون لها الواقع والمواقع.
من جهته، تناول الدكتور جيلالي بن يشو موضوع "اللغة العربية والتحول التقني: نحو بيئة رقمية تفاعلية لتعزيز الهوية اللغوية"، واستهله بالوقوف عند مفارقة لافتة، فاللغة العربية من أوسع اللغات انتشارا وأغناها رصيدا معجميا وتراثيا، غير أن حضورها في المحتوى الرقمي وفي البيانات التي تدرب عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا يزال دون ثقلها الديمغرافي والحضاري. يضاف إلى ذلك ما تفرزه الممارسات التواصلية الجديدة من ظواهر تمس بنيتها ورسمها، كالعربيزي وطغيان العاميات على منصات التواصل الاجتماعي، وما تطرحه خصائصها الصرفية والتركيبية والكتابية من تحديات أمام المعالجة الآلية.
وانطلق الدكتور من إشكالية: إلى أي حد يمكن للتحول التقني بتقنياته ومنصاته ونماذجه، أن يسهم في بناء بيئة رقمية تفاعلية تعزز الهوية اللغوية العربية، بدل أن يكون عاملا من عوامل تهميشها وتآكلها؟ وتطرق المتدخل إلى الاستراتيجية الجزائرية لدعم العربية بالذكاء الاصطناعي، التي يشرف عليها المجلس الأعلى للغة العربية، وتمتد لعشر سنوات (2017-2027)، مستحضرا المكتبة الرقمية كمؤشر لرقمنة الإرث المعرفي للمجلس، ومعلمة المخطوطات الجزائرية التي تعد من أبرز مشاريع المجلس، وهي مدونة رقمية وطنية تخص جمع كل المخطوطات حيثما وجدت، وتسعى إلى جمعها وتصويرها ورقمنتها بطريقة عالمية، وتكون في منأى عن التلف.
كما استعرض الدكتور أهمية المحتوى الرقمي العربي في تعزيز الهوية اللغوية، وقال إن هذه الأهمية تتجلى في خمس وظائف متكاملة هي: التواصلية، والتنشئة اللغوية، وحفظ الذاكرة، والمعرفية، والرمزية، ليخلص إلى أن العلاقة بين المحتوى الرقمي العربي والهوية اللغوية علاقة تبادلية، فالهوية الواعية بذاتها تنتج محتوى، والمحتوى الغزير يرسخ الهوية ويعيد إنتاجها في أجيال جديدة. ولا يعني صون الهوية في هذا السياق، الانكفاء على الذات أو معاداة اللغات الأخرى، بل بناء بيئة رقمية تفاعلية، تكون العربية فيها خيارا طبيعيا وناجحا، لا خيارا مكلفا.
أما الدكتور نوار عبيدي، ففضل الحديث عن "المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر والترجمة: من نقل المعرفة إلى بناء الفعل الترجمي"، وقال إن الترجمة غدت إحدى أهم الآليات التي تتشكل بها المجتمعات المعرفية، وتتفاعل من خلالها الثقافات، وتنتقل بها العلوم والتقنيات والأفكار والتجارب. وكلما تسارعت حركة المعرفة، ازدادت حاجة اللغات إلى مؤسسات قادرة على استيعاب ما ينتج في اللغات الأخرى وإتاحته للباحث والقارئ بلغته الوطنية، مضيفا أن قضية الترجمة إلى العربية لم تعد مسألة ثقافية فحسب، بل جزء من سؤال أوسع يتعلق بمكانة العربية في إنتاج المعرفة وتداولها.
واستعرض الدكتور عمل المجلس الأعلى في هذا الإطار، مشيرا إلى أن التشجيع على الترجمة إلى العربية ليس نشاطا هامشيا في وظائفه، بل جزء من مهمته المؤسساتية. وأضاف أن الفعل الترجمي في الجزائر يشهد حضورا مؤسساتيا وأكاديميا ومهنيا متناميا، لكن هذا الحضور لا يزال يواجه عددا من الاختلالات التي تحول دون انتقال الترجمة من مجرد نشاط لغوي، إلى صناعة معرفية وثقافية واقتصادية متكاملة.
وأوضح المتدخل، أن هناك فجوة بين التكوين الجامعي ومتطلبات الممارسة المهنية، إذ لا تزال البرامج بحاجة إلى مزيد من الملاءمة مع حاجات سوق العمل، ومع التحولات التي عرفتها مهنة الترجمة في المجالات التقنية والقانونية والاقتصادية والرقمية. وأضاف أن المترجم المعاصر يحتاج إلى التحكم في تقنيات الترجمة والبحث الوثائقي وصناعة المصطلح، وكذا التعامل مع النصوص المتخصصة، والاستفادة الواعية من أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب والموارد الرقمية والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعددة.
واستعرض المتدخل نشاط المجلس الأعلى للغة العربية في مجال الترجمة، ومن أهمه: أولا الترجمة المتخصصة وبناء الجهاز المصطلحي، وثانيا إصدار مجلة “معالم”، وثالثا الملتقيات العلمية، ورابعا إنشاء البطاقية الوطنية للمترجمين الجزائريين، وخامسا ترجمة مقالات المجلة الأفريقية، وسادسا تشجيع المترجم من خلال جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية.