لاستكشاف جماليات المنمنمات والزخرفة

تلمسان تبرز تفاعل الفن الإسلامي مع العلوم، العمارة والذكاء الاصطناعي

تلمسان تبرز تفاعل الفن الإسلامي مع العلوم، العمارة والذكاء الاصطناعي
  • 118
دليلة مالك دليلة مالك

تستقبل مدينة تلمسان يومي 28 و29 نوفمبر 2026، أشغال الملتقى الدولي "جماليات المنمنمات والزخرفة الإسلامية وتجلياتها في الفنون التطبيقية بالمغرب الإسلامي والأندلس، في ضوء التحوّلات المعاصرة"، الذي تنظّمه محافظة المهرجان الثقافي الدولي للمنمنمات وفنون الزخرفة، بالتعاون العلمي مع مخبر الدراسات الأدبية واللغوية الأندلسية بكلية الآداب والفنون بجامعة "أبي بكر بلقايد" في تلمسان، بالتنسيق مع المتحف العمومي الوطني للخط الإسلامي.

يأتي هذا الموعد الأكاديمي في سياق تنامي الاهتمام بإعادة قراءة الموروث الفني الإسلامي من زوايا معرفية حديثة، تجمع بين التاريخ والجماليات والعلوم الإنسانية والتكنولوجيا الرقمية؛ سعيا إلى إبراز الأبعاد الحضارية والفكرية التي تختزنها المنمنمات والزخرفة الإسلامية؛ باعتبارهما من أبرز الشواهد على عبقرية الحضارة الإسلامية، لا سيما في حواضر المغرب الإسلامي، والأندلس التي شكّلت عبر قرون طويلة فضاءات للإبداع الفني، والتفاعل الثقافي والعلمي.

ولا ينظر منظّمو الملتقى إلى المنمنمات والزخرفة الإسلامية باعتبارهما مجرّد عناصر تزيينية، بل بوصفهما لغة بصرية متكاملة، تعكس رؤية حضارية متماسكة، تتقاطع فيها القيم الجمالية مع الأبعاد الروحية والفكرية. وتستند إلى أنظمة دقيقة في الهندسة والرياضيات والتناسق البصري، وهو ما جعلها تتجاوز حدود الزخرفة إلى التعبير عن فلسفة فنية، قائمة على الانسجام، والدقّة والإبداع.

وأكّدت أرضية الملتقى أنّ الفنون الإسلامية خاصة في الغرب الإسلامي والأندلس، أنتجت تجارب فنية وصناعية متميّزة تجلّت في المنمنمات، والمخطوطات، والخزف، والزليج، والسجاد، والتحف المعدنية، والعناصر المعمارية، حيث امتزجت المهارة الحرفية بالمعرفة العلمية لتنتج أعمالا لاتزال إلى اليوم، شاهدة على رقيّ الحضارة الإسلامية، وإسهامها في مسيرة الفن العالمي.

وسيتناول المشاركون جملة من الإشكاليات العلمية التي تتجاوز القراءة الوصفية للمنجز الفني، لتطرح أسئلة مرتبطة بكيفية تشكّل النسق الجمالي الإسلامي، وعلاقته بالمرجعيات الفكرية والدينية والعمرانية، وبالدور الذي لعبته العلوم الرياضية والهندسية في بناء الأنظمة الزخرفية، إضافة إلى دراسة الخصائص الجمالية والفنية التي ميّزت الفنون التطبيقية بالمغرب الإسلامي والأندلس، ومدى انعكاسها على العمارة والفنون الحرفية.

كما سيشكّل الملتقى فرصة لاستعراض مساهمة الحرفيين والصنّاع والفنانين الذين حافظوا على استمرارية هذا التراث، خاصة في الجزائر، مع دعوة إلى إنجاز مقاربات توثيقية، وسير بيوغرافية لأعلام الصناعات الفنية التقليدية، بما يسهم في حفظ الذاكرة الوطنية، وإبراز الأدوار التي اضطلعت بها هذه النخب في نقل المعارف التقنية والجمالية عبر الأجيال.

ومن بين القضايا التي سيبحثها المشاركون أيضا تأثير المنمنمات والزخرفة الإسلامية في الفنون الأوروبية والعالمية، من خلال انتقال الأنماط الزخرفية والتقنيات الفنية عبر مسارات التبادل الحضاري، وهو ما أسهم في تشكيل عدد من المدارس والاتجاهات الفنية الحديثة، ليؤكّد مجدّدا المكانة العالمية التي احتّلها الفن الإسلامي في تاريخ الإبداع الإنساني.

ولم يغفل الملتقى التحوّلات الرقمية التي يشهدها العالم، حيث خصّص أحد محاوره لاستكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في توثيق المنمنمات والزخارف الإسلامية وتحليلها، وإعادة إنتاجها ضمن تطبيقات التصميم والديكور والصناعات الإبداعية، بما يضمن استمرارية هذا التراث، ويمنحه أبعادا وظيفية وجمالية جديدة، تتلاءم مع متطلّبات العصر.

وتتوزّع أشغال الملتقى على سبعة محاور رئيسية، تشمل المرجعيات الفكرية والجمالية للفن الإسلامي بالمغرب الإسلامي والأندلس، وجماليات المنمنمات والزخرفة وعلاقتها بالعلوم والعمارة، وتجلياتها في الفنون التطبيقية كالزليج، والخزف، والمنمنمات، والسجاد، والتحف الفنية، إلى جانب محور خاص بأعلام الفنون والصناعات التقليدية في الجزائر. وآخر يتناول تأثير الزخرفة الإسلامية في الفنون الأوروبية، فضلا عن محور مخصّص للذكاء الاصطناعي، وإعادة توظيف الزخارف الإسلامية في التصميم المعاصر، وصولا إلى استشراف آفاق بحثية متعدّدة التخصّصات، تجمع بين علم الآثار، والفنون، والتصميم الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

وحدّد المنظّمون مجموعة من الشروط العلمية للمشاركة، من بينها أن يندرج موضوع البحث ضمن محاور الملتقى، وأن يرفَق بملخّص يتراوح بين 200 و250 كلمة، مع تقديم نبذة علمية عن الباحث وبيانات الاتصال، على أن تخضع جميع المداخلات للتحكيم العلمي السري وفقا لمعايير الأصالة، والمنهجية، وسلامة اللغة، والقيمة العلمية.

وحسب الرزنامة المعلنة، فإنّ آخر أجل لاستقبال ملخّصات البحوث سيكون يوم 31 أوت 2026، بينما حُدّد 30 سبتمبر 2026 كآخر موعد لاستلام البحوث كاملة، على أن يتم إبلاغ الباحثين بنتائج التحكيم والتعديلات المطلوبة في 10 أكتوبر 2026، قبل انعقاد الملتقى يومي 28 و29 نوفمبر بمركز الدراسات الأندلسية بتلمسان، مع إتاحة المشاركة الحضورية، وعن بعد.

ويشرف على هذا الموعد العلمي أحمد صنصوني محافظ المهرجان الثقافي الدولي للمنمنمات وفنون الزخرفة، فيما يترأس اللجنة العلمية الدكتور هشام بن سنوسي، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من جامعات ومراكز بحث جزائرية وتونسية وإسبانية، إلى جانب خبراء من المتحف العمومي الوطني للخط الإسلامي والمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، وهو ما يعكس البعد الدولي للملتقى، ورهانه على بناء فضاء للحوار العلمي حول أحد أهم مكونات التراث الفني الإسلامي.

ويُعدّ هذا الملتقى محطة علمية وثقافية جديدة تؤكد المكانة التي باتت تحتلها تلمسان في مجال الدراسات التراثية. كما يعكس توجّها متزايدا نحو إعادة الاعتبار للفنون الإسلامية؛ باعتبارها رصيدا حضاريا قابلا للتجديد والتطوير، ومصدرا للإبداع المعاصر في ظلّ الثورة الرقمية والتكنولوجية التي تفرض مقاربات جديدة لصون التراث، واستثماره في التنمية الثقافية، والصناعات الإبداعية.