المؤرخ بنجامين ستورا في "ماستر كلاس":
تفكيك عقد الذاكرة والسينما في موقع هيبون الأثري
- 109
سميرة عوام
قدم، أول أمس، المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا "ماستر كلاس" استثنائيا، ضمن فعاليات مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، حيث تحول موقع "هيبون" الأثري، إلى فضاء حي للنقاش حول السينما والتاريخ والذاكرة. أدار الجلسة الناقد السينمائي أحمد بجاوي، وسط حضور كبير للفنانين وأساتذة جامعيين وطلبة، بمشاركة المجاهدة لويزة إيغيل أحريز، مما أضفى على اللقاء لمسة نضالية ووجدانية عميقة، خاصة وأن مسارها النضالي كان موثقا في موضوع فيلم وثائقي، قدم بسنيمتك عنابة.
استعرض ستورا خلال مداخلته، رؤية ثاقبة حول تفاصيل الذاكرة، مبرزا الأبعاد الجديدة للبحث التاريخي. ولعل أكثر ما لفت انتباه الحضور، هو حديثه عن المخرجة "سيسيل دي كيجيس"، مساعدة السينمائي الكبير جان لوك غودار، والتي أنجزت في عام 1957 فيلما نادرا، يوثق معاناة اللاجئين الجزائريين في تونس. هذا العمل الذي صودر من السلطات الفرنسية آنذاك، وأدى إلى سجن مخرجته، لا يزال وفقا لستورا، وثيقة بصرية تاريخية مخفية لم تعرض حتى الآن، مما يطرح تساؤلات حول المصير المجهول للأرشيف السينمائي المرتبط بالثورة.
ولم يتوقف المؤرخ عند الماضي، بل فجر قضايا تقنية وتوثيقية معاصرة ومثيرة للجدل؛ حيث كشف عن رقمنة أرشيف جامعة “أكس أونبروفانس” الخاص بالثورة الجزائرية، في أوعية تضم مليونا وخمسمائة ألف وثيقة، ورغم برمجتها للتسليم للطرف الجزائري، إلا أن العملية لا تزال معلقة. كما نبه ستورا إلى “العمل الرقمي الكاسح” الذي تقوده المؤسسات الأمريكية، سعيا لاحتكار العمل التوثيقي العالمي، والتحكم في مفاصل الذاكرة المستقبلية.
وفي ختام الجلسة، تطرق ستورا إلى الجدل الدائر في فرنسا، حول مشاركة أفلام مصنوعة بالذكاء الاصطناعي في دورة مهرجان “كان” المقبلة، متسائلا عن مصداقية هذه الأعمال، وأثرها الجذري على تحويل مجرى الإنتاج السينمائي العالمي. وقد كانت المحاضرة رحلة فكرية دسمة، أثبتت أن ستورا يظل دوما مميزاً بثقافته السينمائية الواسعة، وقدرته على جعل التاريخ مادة حية، تتماشى وقضايا العصر وتكنولوجيا المستقبل، وسط أجواء فنية، احتفت بالذاكرة والتاريخ في “بازليك السلام”.