تراث معماري ساحر من قلب الصحراء
  • القراءات: 321
 ق. ث ق. ث

قصر تاغيت العتيق ببشار

تراث معماري ساحر من قلب الصحراء

بين كثبان رملية وجبال صخرية، وعلى ضفاف واد صحراوي، تلتف حوله مئات أشجار النخيل، يطل قصر تاغيت العتيق ببشار على زواره، مزهوا بجماله ومعماره الطيني، وهو المبني بإبهار فوق تلة صخرية وفق عمارة تقليدية صحراوية. والداخل لهذا القصر، الذي يعود تاريخه للقرن الحادي عشر، والمصنف كتراث وطني منذ 1999، ستبهره واجهته الخارجية، غير أنه يخلو من سكانه اليوم، باستثناء بعض الأفراد الذين حولوا بيوتهم إلى فضاءات للنشاط الاقتصادي والسياحي من مراكز ضيافة، وأماكن للراحة وقاعات شاي، فهو اليوم مركز جذب سياحي يقصده الزوار من الجزائر وخارجها، خصوصا في نهاية ديسمبر ومارس.

هذا القصر المبني بالطين والحجر، والمدعم بجذوع وسعف النخيل والمشيد على شكل قرية دفاعية، يضم حوالي 120 دار قديمة متلاصقة مع بعضها البعض، تجمعها الساحات والدروب، بالإضافة إلى المسجد والبئر، غير أن الكثير منها قد تهدم. ويقول سمير بايش، صاحب مركز ضيافة بتاغيت، إن القصر "مخصص اليوم للسياح وفق مسار محدد فهو خال من سكانه الذين هجروه في أغلبهم منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، باستثناء بعض الأفراد الذين يستغلون ممتلكاتهم في نشاطات اقتصادية سياحية". يضيف بايش، أنه "يتعامل مع السياح من خلال الوكالات السياحية، رغم أن جائحة كورونا خفضت كثيرا أعدادهم، خصوصا منهم الأجانب"، داعيا في سياق كلامه" السلطات المحلية إلى توفير التراخيص اللازمة لممارسة نشاط كراء مراكز الضيافة ..".

يستثمر من جهته مباركي الطيب، وهو مرشد سياحي بالقصر، في السياحة الثقافية، حيث يملك ببيته مكتبة ومتحفا صغيرين، إذ تضم المكتبة مراجع بمختلف اللغات، تتجاوز الألف كتاب، بينها بعض الأرشيف والمجلات، تعكس في مجملها تاريخ الواحة في مختلف المجالات والعصور. ويضم من جهته المتحف، كل ما يتعلق بمقتنيات الفلاح في القصر وحياته اليومية وصناعاته التقليدية، بالإضافة لأنواع من المنتجات، كالتمور والملابس التقليدية، بالإضافة إلى آلات موسيقية، كالقمبري. ويقول مباركي "إنه وكغيره من ساكنة القصر، هو من تولى ترميم منزله القديم وتهيئته، وان ما تقوم به الجهات المختصة هو ترميم لا يتجاوز الواجهات ...". 

يلفت من جهته يوسف عبد الكافي، صاحب مطعم عائلي بالقصر، إلى أن "أول ترميم أعطى روحا جديدة للقصر كان في 2001 .."، غير أنه "تأسف لإسناد الترميم للمقاولين بدل الحرفيين من أهل المنطقة"، معتبرا أنهم "لا يجيدون المهارات التقليدية"، وضرب المتحدث المثل بـ "آخر ترميم جرى في 2019"، والذي "منح لمقاولين لم يقوموا إلا بترميم الواجهات"، داعيا إلى "ترميم القصر بشكل جذري وشامل يسمح بعودة ساكنته، مع تخصيص هيئة للإشراف عليه وتنظيم الدخول إليه ومراقبته".

عبد المجيد عبد اللاوي، وهو أيضا من ساكنة القصر، يقول إنه "أول" من رمم منزله بالقصر في 2001، وهو منزل عائلي حوله اليوم لمركز ضيافة . المهندس المعماري المختص في العمارة الطينية، عبد الوهاب عرباوي، يقول إن مدينته تاغيت بها "37 قصرا، غير أن خمسة منها فقط لا تزال قائمة وبدرجات متفاوتة، ويمكن إنقاذها، وهي قصر تاغيت العريق وبربي وبختي والزاوية التحتانية والزاوية الفوقانية".

"الديوان" جوهر الحياة الثقافية

يعتبر قصر تاغيت العتيق الوحيد بين جميع قصور تاغيت المتناثرة عبر وادي زوزفانة، الذي مازال قائما يستقبل الزوار، وهو قصر يميزه أيضا تراثه غير المادي، وفنه المتوارث عن الأجداد، خصوصا موسيقى "الديوان". يمكن للزوار حضور "قعدات" موسيقية أصيلة في مقر إقاماتهم، أو في الواحة بين النخيل، أو حتى في قلب الصحراء، كما يعرض العديد من الحرفيين المختصين في صناعة الآلات الموسيقية التقليدية منتوجاتهم بمختلف التصاميم، من قمبري وعود بشاري وكمان تقليدي وآلات إيقاعية، ويمكن للزائر في هذا الإطار، الاطلاع على عمل هؤلاء في ورشاتهم.

يقول المغني والعازف على القمبري، عبد القادر عبورة، من فرقة "قناوة تاغيت"، التي تأسست في "1998"، إنه يمارس هذا الفن منذ "سنين طويلة"، وقد "شارك في العديد من التظاهرات عبر الولايات، كما يسعى إلى توصيل الديوان للجيل الصاعد". زميله في الفرقة، المغني والعازف على القمبري، عبد المالك حاكمي، يلفت بدوره إلى أنه "شارك في العديد من التظاهرات، إلى جانب كبار الفنانين، على غرار عائشة لبقع، وحفلات في الإذاعة والتلفزيونات، إضافة إلى ظهوره في بعض الأفلام التي صورت بتاغيت".