عز الدين قرفي يقدّم كتابه "الأوراس.. أرض الذاكرة"
تجربة 5 عقود من النضال لصون التراث
- 183
مريم. ن
بدا الأستاذ عز الدين قرفي مستميتا وهو يدافع عن التراث الوطني، معتبرا هذا الواجب الوطني دَينا تُجاه الأسلاف، ومهمة ليست بالسهلة خاصة أمام العراقيل والمطبات التي تُفشل كلّ مسعى جاد، وتجعل من الذي يدخل هذا المجال وكأنّه يحارب طواحين الهواء. لكن رغم تراكمات 15 عاما يبقى الإصرار موجودا؛ فلا يأس مع الجزائري الأصيل، خاصة إذا كان "شاوي حر".
استقبل مركز الفنون بقصر الرياس، أوّل أمس، الأستاذ عز الدين قرفي، لتقديم كتابه الصادر حديثا بعنوان "الأوراس، أرض الذاكرة " ، الذي يتضمّن مساره لـ15 عاما في خدمة التراث الوطني.
وفي هذا قال إنّ "هذا الكتاب الصادر عن دار الشهاب، لم يكن مخطّطا له، بل فرض نفسه مع مرور الوقت على إيقاع الطوارئ والغضب، لكن أيضا على إيقاع الآمال" . وأضاف متأثّرا: "لأنّه في لحظة ما، كان لا بدّ من الحكي، حكي ما لا يُرى؛ الكواليس، والنضالات والشكوك" .
ووقف الكاتب عند لحظة ميلاد المشروع قائلا: "حينها كان اليوم ماطرا في باتنة عاصمة الأوراس، فقد رافقت في هذا اليوم عالم آثار يبلغ السبعين من عمره، كان قد خرج من المستشفى منذ أقل من شهر. وكان يتسلق رغم ذلك، الجدران المبلّلة لمعلم إيمدغاسن، ليأخذ منه عيّنات"، ليضيف: "ذلك الرجل، في تلك اللحظة بالذات، كان يحكي وحده ما كانت عليه هذه السنوات الخمس عشرة.. في ذلك اليوم، فرض هذا الكتاب نفسه".
وأسهب الأستاذ قرفي في الحديث عن معلم إيمدغاسن؛ فمنذ ما يقارب 2400 سنة ظلّ ضريح لملك نوميدي شاهدا صامتا. وأصبح اليوم محورا أساسيا للنضال من أجل الحفاظ على الذاكرة الجماعية. ومن خلال عشر حكايات مشوّقة يأخذ المؤلّف القارئ إلى أعماق هذه المعارك الرامية إلى حماية التراث، فمن تسلُّق الجدران الوعرة للضريح من أجل تحديد تاريخه، إلى البعثات العلمية في أعماق وديان إغزر أملال السحيقة. ومن مقاومة المواطنين للجرافات المهدّدة بالهدم، إلى الاحتفالات العريقة برأس السنة الأمازيغية يناير. وتكشف كلّ حكاية (وقائع حقيقية) عن وجوه أولئك الذين يناضلون كي يبقى إرث الأوراس حيا.
وتحدّث ضيف اللقاء عن الجهود التي التزم بها علماء آثار ونشطاء من المجتمع المدني، وأطفال يحملون آلات التصوير لتوثيق إيمدغاسن، وقرويون يعتزون بتراثهم، ويحافظون عليه.
وخصّ المتحدّث هذا الكتاب الذي يشبه نوعا ما التقرير، بلمسة أدبية راقية، خاصة في ما تعلّق بالسرد القصصي، علما أنّ إيمدغاسن شكّل الخيط الناظم لهذا السرد، ليرسم صورة حقيقية عن التراث، وما يواجهه من تحديات، خاصة البيروقراطية منها.
وفي ما يتعلّق بتجاوز التسلسل الزمني في الكتاب، أوضح السيد قرفي: "لو رويت هذه السنوات الخمس عشرة بترتيبها الزمني، لكتبت يوميات سيغرق فيها الجوهر داخل الروتين"، مشيرا إلى أنّ الكتاب لا يعتمد على التسلسل الزمني بقدر ما يبرز فيه الجانب الموضوعاتي.
وعن مسألة الترميم غير المكتمل لإيمدغاسن، أشار الكاتب إلى عقبات متراكمة؛ منها شحّ الموارد، وغياب الإرادة الرسمية الدائمة، والتغيير المستمر في الوزراء والمديرين، والتغييرات الهيكلية الأخرى، وكلّ تغيير يضعف أكثر استمرارية العمل.
وبين الذاكرة والتاريخ والواقع يكرّم كتاب "الأوراس، أرض الذاكرة" ، منطقة عزيزة من الوطن لايزال تاريخها وتراثها مجهولا نسبيا لدى الكثيرين، وبالتالي يمنح عز الدين قرفي القارئ فرصة لفهم أهمية الحفاظ ليس فقط على المعالم الأثرية، بل أيضا على التقاليد والحكايات والذاكرة الحية للأوراس. كما إنّ الكتاب دعوة إلى اليقظة، وتحمّل المسؤولية تجاه صون التراث الجزائري الأصيل.
وفي الختام، أكّد السيد قرفي عز الدين أنّه ملتزم ومعه جمعية "أصدقاء إيمدغاسن" ، بعبارة "تاغنات" ؛ من أجل مواصلة العمل رغم الصعوبات، حاثا الجزائريين على حفظ تراث أسلافهم؛ لأنّ ذلك دين في أعناقهم.