التراث دعامة المسرح

تجارب رائدة وظّفت الثقافة الشعبية على الركح

تجارب رائدة وظّفت الثقافة الشعبية على الركح
  • 185
مريم. ن مريم. ن

يحمل المسرح بعدا موغلا في التاريخ والأصالة ظل يعبّر عن أحوال الناس، ويوثق لأيامهم عبر الزمن، مصورا مختلف الممارسات الثقافية والطقوس والاحتفالات؛ لذلك بقي المسرح يستثمر في هذه الأشكال التعبيرية الشعبية لإنتاج عروض أصيلة، تعكس هوية المتلقي، وتخاطبه بثقافته ومكتسباته الاجتماعية. وأصبح التراث الأداة التي يتم توظيفها؛ من أجل مزيد من الإبداع، والتأثير والفرجة؛ ما تطلَّب التفكير أكثر في استثماره بطرق عصرية وفنية بعيدة عن التكرار والاستسهال.

الدكتورة بشير بويجرة سميرة:  علاقة متينة بين التراث والمسرح

ترى الدكتورة بشير بويجرة سميرة ـ وهي أستاذة بقسم الفنون جامعة الجزائر 2 مختصة في تدريس مقياس الإخراج المسرحي، ومسؤولة تخصص ليسانس دراسات مسرحية بالقسم ـ أن هناك علاقة متينة بين التراث والمسرح، متوقفة عند خصوصية الطقوس في الثقافة الشعبية، علما أن للجزائر معالم تشبه تلك الموجودة في إفريقيا، قابلة للتجسيد ركحيّا.

وتحدثت الدكتورة سميرة عن تلك الطقوس الموجودة مثلا في أدرار وبشار وغيرهما، إضافة إلى الأزياء التقليدية ذات الروح الإفريقية، وإيقاعات الطبل مع باقي الخصوصيات القريبة منا ومن تراثنا؛ منها شكل الحلقة حول المؤدي أو القوال عبر الأسواق، والتي استطاع الراحل علولة توظيفها مسرحيا، زيادة على أشكال أخرى من التراث الشعبي، تستحق أن تدخل الركح؛ منها مثلا رقصات الجذبة التي تعني في قارتنا السمراء، استدعاء الأسلاف، بينما عندنا في الجزائر هي تطهير للنفس من المكبوتات، وبالتالي تكون تطهيرا أيضا لجمهور المسرح، من الضغوطات. وقالت المتحدثة: "من المهم رؤية هذا التراث. والجميل أن يكون العرض في الشارع دون حواجز، وهذا ما يساعد في استرجاع الجمهور المسرحي من جديد، مع أخذ بعين الاعتبار توظيف التراث وفق حلة عصرية، تتوافق مع متطلبات أجيال اليوم".

الدكتور شمس الدين يونس من جامعة السودان: التوظيف الواعي للتراث يمكن أن يمنح المسرح صفة العالمية

أشار الدكتور شمس الدين يونس من السودان، إلى أن توظيف التراث في المسرح ليس بالشيء الجديد؛ فقد نشأ المسرح أصلا، من رحم التراث؛ فحتى المسرح الإنجليزي ـ يضيف ـ قام على التراث والأساطير والحكايات الشعبية الإنجليزية؛ ذلك أن التراث هو مخزن القيم والتجارب الإنسانية ، وبالتالي فإن المسرح حينما يوظف هذا التراث فكأنه يعيد منظومة القيم الاجتماعية، ويرسخها؛ أي أنه يكمل أخلاق المجتمع من خلال تجاربه، وإعادة إنتاجها على خشبة المسرح. و"من هنا نخلص إلى أن المسرح قام وسيظل قائما، على التراث في أي مكان أو زمان كان". ووقف المتحدث عند التجربة الإفريقية التي هي خير دليل على ما سبق ذكره؛ فعلى الرغم من التطورات التكنولوجية وتطور المسرح، إلا أن هذا الأخير ظل ينهل من الطقوس والأساطير الشعبية، التي هي ثمرة التجربة الإفريقية، وحكمتها.

وقال الدكتور شمس الدين: " إذا أردنا أن نضرب مثلا على ذلك، فيمكن أن تكون تجربة الكاتب الإفريقي "ولي شوينكل" حاضرة في الأذهان خلال مسرحية "الموت وفارس الملك" التي تقوم على واحدة من طقوس اليوروبا. وتؤكد أن الملك عندما يموت لا بد لحارسه الفارس أن يقتل نفسه؛ أي يموت تماما كسيده الملك؛ حفاظا على تماسك المجتمع. وفي هذه الحادثة المسرحية عندما أراد حارس الملك قتل نفسه ليُدفن مع الملك، تدخّل المستعمر وأبطل إقدام الفارس، معتبرا ذلك جريمة وإقبالا على الانتحار، وبالتالي تأخر هذا الطقس. وهنا شعر ابن الملك بأن تأجيل تأبين والده سيؤدي إلى تفكيك المجتمع، وفرط قيمه ومثله؛ فما كان منه وهو الطبيب الذي درس ببلاد المستعمر، إلا أن يقتل نفسه ليحافظ على قيم المجتمع ".

وأضاف المتحدث أن شوينكل حرص على تبليغ فكرة الحفاظ على المجتمع من خلال التضحية ولو بالروح، علما أن هذا الطقس قديم. إلا أن شوينكل صنع منه مسرحية حديثة عُرضت عبر البلدان الغربية وحتى العربية، ونالت العديد من الجوائز. وكانت من أسباب حصول شوينكل على جائزة نوبل للآداب، ليختم الدكتور تدخّله قائلا: "من هنا نستطيع القول إن التوظيف الواعي للتراث يمكن أن يمنح المسرح صفة العالمية؛ لأنه يناقش القضايا الكلية للمجتمعات".

البروفيسور عبد الحميد بورايو: لا تطور للمسرح الجزائري دون التراث

أكد البروفيسور بورايو أن المسرح الجزائري لا يمكنه التطور بطريقة مناسبة إلا إذا اعتمد على التراث؛ سواء كان مدوّنا أو شفويا؛ ذلك أن المسرح يخاطب مباشرة الجمهور، وبالتالي لا بد له أن يغرف من حمولة ثقافة المجتمع، كما لا بد له، أيضا، أن يكون وصلا بين الماضي الثقافي والحاضر والمستقبل. ويمثل التراث ـ حسبه ـ كنزا، وشكلا من الأشكال التي يمكن أن يستفيد منها المسرح.

من جهة أخرى، أشار المتحدث إلى أنّ لنا صلة بالتراث الإفريقي، الذي هو جزء من المجتمع الجزائري، مضيفا: "علينا أن لا ننسى أن الجزائر كانت لقرون، ممرا للقوافل، وللرحالة، والعلماء الذين تنقلوا بين شمال ووسط وجنوب إفريقيا ". كما أوضح المتحدث أنّ هناك عناصر بشرية من أصول إفريقية حملت تراثها الفني والأدبي. وهي من مكونات التراث الوطني الجزائري، الذي يتطلب العناية، والاستفادة مما عنده.

الدكتورة لقرون أمينة: استلهام التراث في الفنون الركحية

الدكتورة لقرون أمينة هي باحثة وأكاديمية جزائرية بارزة في مجال فنون العرض والدراسات المسرحية، قدّمت العديد من الأبحاث والدراسات النقدية التي تتناول واقع المسرح الجزائري، وإشكاليات الترجمة والاقتباس، بالإضافة إلى جماليات استلهام التراث الإفريقي في الفنون الركحية. أشارت خلال حديثها مع "المساء" إلى أن التراث والثقافة الشعبية على وجه الخصوص، مخزن للإبداع والـتأصيل، متوقفة عند تجربة المخرج جهيد دير الهناني، الذي استلهم من تراث موسيقى الديوان في مسرحيته الرائعة "اللهب" ، مؤكدة مدى إعجابها بهذه التجربة الإبداعية التي تستحق التثمين، والتكرار.

وقد أشارت خلال معرض حديثها مع "المساء" إلى أن المخرج دير الهناني ابن حي قومبيطة العتيق بولاية سيدي بلعباس وقد ترعرع وهو يعرف طقوس "الدردبة" ، وبالتالي ترسخت في وجدانه موسيقى الديوان التي كانت موجودة من خلال "الحضرة" في عرضه على الركح، موضحة أن هذا العرض وظف التراث في جانبه الأنثروبولوجي. وهي تجربة رأتها الدكتورة أمينة رائدة. وجاءت استمرارا لعدة تجارب رائدة قام بها الراحل علولة وكاتب ياسين. وتضمنت رقصات من وحي إفريقي هي من عمق تراثنا الوطني أيضا، وبالتالي كانت تلك العروض بمثابة حفظ للتراث، وتعريف به للشباب الذين يجهلون بعض طقوس الدردبة مثلا. كما دعت المتحدثة إلى استغلال تراثنا الوطني فنيا؛ من أجل مسرح هوياتي أصيل.

جمال قرمي المدير الفني بالمسرح الوطني: أنجح العروض كانت أصيلة

قال الأستاذ قرمي إن المبدع ابن بيئته وعصره، وبالتالي فإن أي متلق يريد اكتشاف ثقافة بلد ما، عليه أن يدخل مسارحها؛ ذلك لأن العمل المسرحي يحمل النكهة المحلية حتى ولو كانت نصوصه عالمية؛ فمثلا لإعطاء المحلية للعرض تُستعمل أكسسوارات جزائرية مثلا؛ منها الحلي، أو البرنوس، والجبة، ومنها الديكور كالمنسج وغيرها من التقاليد، واللهجة، والروح، وظروف اليوميات المعاشة؛ أي أن العرض لا بد له أن يكون من بيئة وثقافة بلده. كما أكد المتحدث أن أغلب الأعمال المسرحية المتحصلة على جوائز وطنية ودولية، حملت في عروضها البعد الهوياتي والبيئة المحلية، مضيفا أن العصرنة وتقنيات الصورة لا تعني الاستغناء عن الأصالة والتراث. وأضاف أن من الضروري أن يكون هناك مشروع وطني شامل للاستثمار في تراثنا الوطني.