أطباء يقتحمون عالم الكتابة
تجارب إبداعية تتجاوز الممارسة الطبية
- 121
لطيفة داريب
لم تعد الكتابة بالنسبة إلى بعض الأطباء الجزائريين مجرد هواية عابرة، بل أصبحت فضاء يتيح لهم خوض تجارب إبداعية ومعرفية، تتجاوز حدود تخصصهم المهني. فمنهم من اختار توثيق مسار الطب والجراحة واستعادة محطاته التاريخية، ومنهم من وجد في الرواية متنفسا للتعبير عن أفكاره وتصوراته، مستثمرا ما راكمه من تجارب وملاحظات، خلال مسيرته الحياتية والمهنية. وفي هذا السياق، يشارك عدد من الأطباء الجزائريين في معرض الجزائر الدولي للكتاب، بإصدارات أدبية وعلمية، تؤكد أن العلاقة بين الطب والكتابة ليست جديدة، وأن الطبيب قادر على الانتقال من معالجة الأجسام، إلى مخاطبة العقول وإمتاع النفوس.
في إطار فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب، التقت "المساء"، الدكتورين بوسعد مراجي، صاحب كتاب "تاريخ الجراحة من مرحلة ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا"، الصادر عن دار "الشهاب"، ومولود مرزوق، صاحب رواية "حب من أول نظرة في الجزائر العاصمة"، الصادرة عن دار "امتداد"، للوقوف على تجربتيهما في الكتابة، لاسيما أنهما يخوضان من خلال هذين الإصدارين، أولى تجاربهما في مجال التأليف، وإن اختلفت دوافع كل منهما، واختياراته الإبداعية والمعرفية.
الجراح بوسعد مراجي: كتابي موجه إلى جميع القراء
قال الجراح بوسعد مراجي، إنه يمارس مهنة الجراحة منذ أكثر من خمسين سنة، إلى جانب شغفه بالتاريخ بمختلف تجلياته، سواء تعلق الأمر بتاريخ السينما أو الفن أو التاريخ بوجه عام. وأوضح أن تقاعده أتاح له فرصة التوقف عند مساره المهني، والتأمل في المهنة التي كرس لها سنوات طويلة، فقرر التعمق في تاريخ الجراحة، وشرع في جمع المعلومات وقراءة كل ما يتصل بهذا المجال وتوثيقه، وهي رحلة معرفية مكنته من اكتشاف الكثير من الجوانب التي لم يكن يعرفها، ومن النظر إلى مهنته من زاوية مختلفة، أكثر هدوءًا وشمولا وعمقا.
وأضاف أنه حرص على كتابة مؤلفه بأسلوب مبسط، يجعله في متناول مختلف القراء، إذ لا يقتصر على الجراحين أو المختصين، باعتبار أن تاريخ الجراحة يتقاطع في جوهره مع تاريخ الطب، وقد ظل المجالان متداخلين لفترات طويلة عبر مختلف المجتمعات والحضارات والثقافات، منذ الحضارة المصرية القديمة، إلى يومنا هذا، وصولا إلى استشراف جراحة المستقبل.
وقال في هذا السياق: "أتمنى أن يحظى كتابي باستقبال جيد لدى الجمهور الطبي، وكذلك لدى القراء عموما. فهو يتضمن عددا هائلا من المعلومات الدقيقة، إلى جانب قصص شخصية، لأشخاص أسهموا في اكتشافات مهمة في مجالَي الجراحة والطب. وكان علي أن أربط بين مختلف هذه الاكتشافات، لأُبرز الكيفية التي تطورت بها الجراحة عبر الزمن".
ورفض الجراح أن يجعل من تجربته المهنية الشخصية موضوعا لمؤلفه، مفضلا أن ينصرف إلى تتبع تاريخ الجراحة وتطورها عبر العصور. وفي رده على سؤال "المساء"، حول الجراحة في عصور ما قبل التاريخ، أوضح أن الممارسات الجراحية في تلك المرحلة، كانت بسيطة للغاية، إلى درجة يصعب معها وصفها بالجراحة بمفهومها الحالي، لغياب الطب والجراحة بوصفهما علمين قائمين بذاتهما؛ إذ كانت المعارف العلاجية تتشكل تدريجيا من خلال التجربة والممارسة. وأشار إلى أن أولى التدخلات التي يمكن اعتبارها أعمالا جراحية، ارتبطت أساسا بمعالجة الإصابات والصدمات، لأن الإنسان في تلك الأزمنة، كان يعتمد على الصيد لتأمين غذائه، وكان يتعرض خلاله لحوادث ومواجهات مع الحيوانات والوحوش، ما كان يتسبب في إصابات كثيرة.
وتابع أن الإنسان في تلك العصور تعلم، بفضل التجربة والخبرة المتراكمة، كيفية التعامل مع الجروح والإصابات والكسور وتثبيتها. ومن هذا المنطلق، يرى أن الممارسات الجراحية سبقت ظهور الطب بصورته المعروفة، الذي تطور لاحقا، من خلال استخدام الضمادات والمنتجات النباتية والاستفادة من المعارف والخبرات المتوارثة. وهكذا، يضيف، تطورت الممارسات الجراحية تدريجيا، لتتحول مع مرور الزمن إلى علم حقيقي.
الطبيب مولود مرزوق: أغانٍ وجملة واحدة دفعتاني إلى الكتابة
من جهته، يقدم طبيب الأطفال مولود مرزوق تجربته الأولى في عالم الرواية. من خلال عمله "حب من أول نظرة في الجزائر العاصمة"، الصادر عن دار "امتداد"، والذي يروي، حسبما صرح به لـ"المساء"، قصة حب بين زوجين يتقاسمان شغفا بالثقافة، وتتخلل علاقتهما حوارات كثيرة، تتناول أفكارا وانتقادات وملاحظات مختلفة، وهو ما أسهم في تشكيل عالم الرواية ومنحها خصوصيتها.
وعن المنطلقات التي قادته إلى الكتابة، أوضح مرزوق أن استماعه إلى أغاني عدد من الفنانين، على غرار لونيس آيت منقلات، كان يحرك مخيلته ويدفعه إلى تصور حكايات ومشاهد خلف الكلمات والألحان، لتتحول تلك التخيلات تدريجيا إلى أحداث روائية. كما استعان في بناء عمله بتواريخ حفلات فنية سبق أن حضرها، وأدرجها ضمن نسيج الرواية، رغبة منه في إضفاء طابع زمني واقعي على أحداثها.
أما عن بداياته مع المطالعة والكتابة، فأشار إلى أنه أقبل على القراءة بصورة مكثفة، لاسيما خلال السنة، التي شهدت فيها منطقة القبائل توقفا للدراسة لمدة عام كامل، ما أتاح له وقتا إضافيا، فضل استثماره في المطالعة. وخلال تلك الفترة، بدأ يفكر في أحداث القصة وشخصياتها، لكنه ظل ينتظر اللحظة التي تدفعه فعليا إلى الشروع في الكتابة.
جاءت تلك اللحظة، كما يروي، إثر سؤال طرحه عليه أحد أصدقائه: "كيف كان اللقاء أمس؟"، فأجابه: "كانت سهرة عادية". وكانت هذه العبارة البسيطة الشرارة التي أطلقت فكرة الرواية، إذ استهلها بجملة: "السهرة، إن صح القول، كانت عادية"، ثم انطلق في كتابة أحداثها وتطوير مسارها، وهي العملية التي استغرقت منه ستة عشر شهرا.