المؤرّخ محمد الهادي حارش:
تاريخ نوميديا أقدم من الروايات الغربية
- 182
ع. إ
شكّل تاريخ نوميديا وما أحاط به من قراءات وتأويلات محور المحاضرة التي قدّمها المؤرّخ محمد الهادي حارش، أوّل أمس، بقاعة "آسيا جبار"، في إطار البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب "سيلا 2026"، حيث دعا إلى إعادة النظر في الكثير من المسلّمات المرتبطة بتاريخ الجزائر القديم، مؤكّداً أنّ جوانب عديدة من ماضي البلاد لا تزال بحاجة إلى البحث والتمحيص وإعادة القراءة.
اعتبر المحاضر أنّ استعادة هذا التاريخ لا تتحقّق بمجرّد ترديد الروايات المتداولة، وإنّما تستوجب إخضاعها للفحص النقدي ومساءلة مصادرها، خصوصاً تلك التي صاغتها أقلام غربية، وفي مقدّمتها كتابات المؤرّخين الفرنسيين. وفي هذا الإطار، توقّف عند ما وصفه بالمغالطات المتعلّقة بالفترة الوندالية، مشيراً إلى أنّ وجود الونداليين في الجزائر كان عابراً، خلافاً لما تذهب إليه بعض الكتابات الفرنسية التي تتحدث عن "احتلال وندالي للجزائر".
وشدّد حارش على أن الباحث في التاريخ مطالب بالتحرر من الأحكام الجاهزة، والتحلي بالوعي النقدي والقدرة على قراءة المصادر ومقارنتها وإعمال العقل في ما تتضمنه من روايات، حتى يتسنى الوصول إلى حقيقة تاريخية متكاملة، بعيدة عن التحريف والاجتزاء. كما وجّه انتقادات إلى المدرسة الاستعمارية الفرنسية وعدد من المؤرخين الذين تناولوا تاريخ الجزائر القديم، ولا سيما تاريخ نوميديا، مستحضراً أسماء ستيفان غزيل وكومبس، في سياق حديثه عن التصوّرات التي حصرت نشأة الأنظمة السياسية النوميدية في القرن الثالث قبل الميلاد.
وفي مقابل هذه الطروحات، استند المؤرّخ إلى شواهد نصية وأثرية يرى أنها تؤكد قِدم التجربة السياسية النوميدية وامتداد جذورها إلى فترات أسبق بكثير. ومن بين الأدلة التي استحضرها ما أورده "جوستان" بشأن الأميرة عليسة، التي طلبت، خلال القرن التاسع قبل الميلاد، شراء قطعة أرض من السكان المحليين النوميديين، وهي الرواية التي ورد فيها ذكر الملك النوميدي يارباس. وقرأ حارش في هذه الإشارة دليلاً على وجود كيان سياسي قوي، يمتلك نظاماً سياسياً ومالياً قائماً، بما في ذلك فرض الضرائب، في مرحلة مبكرة من التاريخ.
ولم يقتصر حديث المحاضر على البدايات السياسية لنوميديا، بل امتدّ إلى التحوّلات الاقتصادية والزراعية التي عرفتها المملكة، خاصة في عهد الملك ماسينيسا، الذي أسهم في ترسيخ نهضة زراعية واقتصادية، وتطوير النشاط الإنتاجي وتنويع خريطته، فضلاً عن العمل على توطين السكان الرحّل. وقد مكّنت هذه التحوّلات نوميديا من التحوّل إلى قوة اقتصادية كبرى ومصدر رئيسي للحبوب الموجّهة إلى روما وقبرص ومناطق مختلفة من حوض المتوسط، وهو تطوّر استدعى، حسب المحاضر، توسيع استخدام الكتابة وتعزيز التنظيمين الإداري والمالي.
ومن الاقتصاد إلى الثقافة والفكر، أبرز حارش المكانة التي احتلها أبناء المنطقة في الحياة العلمية والأدبية والفلسفية للعالم القديم، مشيراً إلى أن إسهاماتهم لم تظل محصورة في المجال المحلي، بل امتدّ تأثيرها إلى الإمبراطورية الرومانية. وفي هذا السياق، ذكر أبوليوس، المعروف أيضاً بأفولاي، صاحب مؤلف "الحمار الذهبي"، الذي وصفه بأنه أول رواية في التاريخ، إلى جانب فرونتون، ابن قسنطينة الحالية، الذي عُرف معلماً ومربياً للأباطرة الرومان وأحد أبرز أعلام البلاغة اللاتينية في عصره.
كما استحضر إسهامات القديس أوغسطين في اللاهوت والفلسفة، ومانيليوس في الفلسفة، وتيرانس في المسرح، مبرزاً أثر هذا الأخير في الأدبيات الفرنسية الكلاسيكية. وهي أسماء تعكس، وفق ما عرضه المحاضر، حجم الحضور الفكري والثقافي الذي أسهمت به هذه المنطقة في تشكيل ملامح الحضارة القديمة.
وفي ختام محاضرته، أعاد حارش التأكيد على أن التاريخ الجزائري رصيد حضاري متنوع وعميق الجذور، لا يجوز اختزاله في مرحلة تاريخية واحدة أو حصره في حقبة دون غيرها. وربط استعادة هذا الرصيد بضرورة تطوير المناهج التعليمية والتربوية، مثمّناً قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إدراج مادة تاريخ الجزائر ضمن برامج مختلف التخصصات العلمية. وخلص المؤرخ إلى أنّ معرفة الجذور التاريخية ليست مجرد استعادة للماضي، بل شرط لفهم الحاضر وبناء المستقبل، مؤكداً أن "لا يمكن بناء حاضر من دون العودة إلى الجذور، كما لا يمكن بناء مستقبل أمة برؤية تاريخية منقوصة أو مجزّأة".