لإنقاذ الحيوانات ضحايا الحرائق

بياطرة يفتحون أبواب "الرحمة"

بياطرة يفتحون أبواب "الرحمة"
  • 179
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

حين تشتعل النيران في الغابات والحقول، لا تتوقف خسائرها عند الأشجار والمنازل والمحاصيل، فخلف الدخان الكثيف والرماد المتناثر، تبقى مخلوقات كثيرة عاجزة عن الفرار من اللهب؛ حيوانات وجدت نفسها في مواجهة النار دون قدرة على فهم الخطر أو النجاة منها، مواش حاصرتها ألسنة اللهب داخل الحظائر والمزارع، وكلاب وقطط وطيور وقردة وحيوانات برية أصيبت بحروق أو اختناق أو جروح، وهي تبحث عن مخرج من المشهد، الذي تحول فيه المكان الذي اعتادته، إلى مساحة من النار والخوف، وفي مثل هذه الكوارث، يصبح إنقاذ الحيوان جزءا من المشهد الإنساني نفسه، لأن الألم لا يتوقف عند حدود الإنسان، ولأن فقدان حيوان أو ماشية، قد يعني أيضا خسارة مصدر رزق لعائلة، عاشت سنوات على تربيته، إلى جانب خسارة ثروة حيوانية مسؤولة على التوازن البيولوجي والطبيعي، حتى أن بعض منها مصنف من المحميات المهددة بالانقراض.

مع اتساع دائرة الضرر، التي خلفتها الحرائق، التي شهدتها عدة مناطق، ظهرت مبادرات تضامنية لم تكن موجهة إلى البشر وحدهم، حيث تجند عدد من الأطباء البياطرة عبر ولايات مختلفة، لاستقبال الحيوانات والمواشي المتضررة، وتقديم الإسعافات والعلاج لها مجانا، في مبادرة حملت بُعدا إنسانيا، قبل أن يكون مهنيا، فالحيوان المصاب بحروق لا يستطيع التعبير عن ألمه أو طلب النجدة، لكنه يحتاج إلى تدخل سريع، قد يكون الفارق بين الحياة والموت، وقد أعلنت عيادات بيطرية فتح أبوابها أمام أصحاب الحيوانات المتضررة، في محاولة للتخفيف عن العائلات التي وجدت نفسها أمام خسائر مادية كبيرة، وتكاليف علاج قد تعجز عن تحملها.

في الميدان، لا تكون صورة الحيوان الخارج من حريق مجرد صورة مؤلمة، فالحروق قد تكون واضحة على الجلد والأطراف، بينما يمكن أن تكون إصابات أخرى مخفية في الجهاز التنفسي، نتيجة استنشاق الدخان، وهي من أخطر مضاعفات الحرائق، حيث أشار بياطرة عبر حساباتهم، إلى أن الحيوانات التي تتعرض للدخان والحرائق، قد تعاني من مشكلات تنفسية وإصابات داخلية، لا تظهر دائما في اللحظات الأولى، وتتحول إلى مضاعفات خطيرة مرتبطة بالحروق واستنشاق الدخان، وهو ما يجعل الفحص البيطري ضروريا، حتى في الحالات التي يبدو فيها الحيوان قادرا على الوقوف أو الحركة.

وهنا يبرز دور الطبيب البيطري في لحظة لا تحتمل الانتظار، فالمهمة لا تقتصر على معالجة جرح أو وضع ضماد، بل تبدأ بتقييم حالة الحيوان، والتأكد من قدرته على التنفس، وفحص درجة الحروق والجروح والجفاف والصدمة، ثم تحديد ما يحتاجه من علاج ومراقبة، وفي الحالات الخطيرة، قد يحتاج الحيوان إلى رعاية مكثفة ومتابعة مستمرة، تماما كما هو الحال في الإصابات الكبرى التي يتعرض لها الإنسان، خصوصا وأن الإسعافات الأولية التي قدمها بعض المواطنين لبعض تلك الحيوانات، لا تعوض العلاج البيطري، لكنها قد تساهم في إنقاذ حياة الحيوان إلى حين وصوله إلى الطبيب.

في هذا الصدد، قالت أميرة مبروك، طبيبة بيطرية ببلدية حسين داي، إن الخسارة لا تقتصر بالنسبة لأصحاب المواشي على قيمة الحيوان في حد ذاته، فالبقرة أو الخروف أو الماعز، قد يمثل جزءا من دخل أسرة، وقد تكون تربية المواشي مصدر رزق كامل لعائلة في منطقة ريفية، لذلك فإن علاج حيوان نجا من الحريق، يعني إنقاذ كائن من الألم، من جهة، ومساعدة أسرة على الاحتفاظ بما تبقى لها، بعد الكارثة، من مصدر رزقها، من جهة أخرى، ومن هنا اكتسبت مبادرة البياطرة، تقول الطبيبة، معناها الاجتماعي، فحين يفتح الطبيب عيادته مجانا أمام حيوان أصيب في حريق، فهو لا يقدم خدمة علاجية فحسب، بل يمد يده أيضا إلى صاحبه، الذي قد يكون فقد منزله أو محصوله أو جزءا كبيرا من ثروته في ساعات قليلة.

ويصبح هذا التضامن أكثر أهمية في الساعات الأولى، التي تلي الحريق، تشدد محدثة "المساء"، لتتواصل على مدار الأيام التي تلي هذه المصيبة، بالنظر إلى حاجة تلك الكائنات لذلك، لأن بعض الإصابات لا تظهر بشكل كامل مباشرة بعد التعرض للنار والدخان، مضيفة أن الحيوان المصاب، قد يكون في حالة خوف وارتباك، تجعله أكثر صعوبة في التعامل، لهذا تنصح بالتعامل بحذر مع الحيوان المصاب، خصوصا من الحيوانات البرية، عند محاولة مسكها لمساعدتها أو نقلها للاستعجالات، وتلك الحيطة ضرورية ـ تقول الطبيبة ـ لتفادي التعرض للخطر أثناء محاولة نقلها، وطلب المساعدة عند الحاجة، ثم الإسراع في الوصول إلى الطبيب البيطري.

وما يلفت الانتباه في هذه الحملة، تقول المختصة، "ليس الجانب الطبي وحده، بل الصورة التي تقدمها عن التضامن في لحظات الأزمات، فبينما كانت فرق الإنقاذ تعمل على إخماد النيران وحماية السكان، كان هناك من اختار أن يلاحق الناجين من الحيوانات، يبحث عن حيوان محروق بين بقايا حظيرة، أو يستقبل ماشية مصابة، أو يقدم علاجا لا يملك صاحبها القدرة على دفع تكلفته"، في مشهد يؤكد أن المهنة يمكن أن تتحول في أوقات الكوارث، إلى فعل إنساني يتجاوز حدود العيادة وتكاليف العلاج.