مدرسة رائدة في فن الأغنية البدوية
بن دعماش يطلق "الحاج حمادة.. صوت من عمق الذاكرة
- 43
مريم. ن
أطلق الباحث عبد القادر بن دعماش، أول أمس، بجناح المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، ضمن فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب، مؤلفه الجديد "الحاج حمادة.. صوت من عمق الذاكرة الجزائرية"، الذي يتناول فيه سيرة أحد أبرز أعلام الموسيقى البدوية الجزائرية، المولود أواخر القرن التاسع عشر ببلدية الطواهرية في مستغانم، حيث نشأ في بيئة غنية بالتراث الشفهي والشعر والأغاني والتقاليد الشعبية.
بصوته القوي والعميق والمميز، وأدائه المشبع بالحساسية والأصالة، فرض الفنان الراحل الشيخ الحاج حمادة (أحمد قويني) حضوره في الساحة الفنية، ليصبح أحد أبرز رواد الأغنية البدوية في الغرب الجزائري، مساهما في إرساء مكانتها ضمن المشهد الموسيقي الوطني، حسب ما يستعرضه الكتاب. من خلال أغانيه، أحيا الشيخ الحاج حمادة الشعر الشعبي، وكان شاهدا على واقع عصره وتطلعاته، لتظل أعماله، التي تناقلتها الأجيال، راسخة في الذاكرة الجماعية الجزائرية.
ولا يقتصر المؤلف على استعراض مسيرة الفنان وأعماله، بل يضعها ضمن فضاء ثقافي متكامل، يستحضر عالم الشيوخ والشعراء والاحتفالات الشعبية والتقاليد الشفهية التي ميزت الغرب الجزائري، بما يزخر به من موروث ثقافي وفني. ويعيد هذا الإصدار تسليط الضوء على حياة الشيخ الحاج حمادة ومسيرته الفنية وتراثه، مستحضرا شخصية استطاع صوتها أن يتجاوز حدود الزمن، وأن يظل حاضرا في الوجدان الثقافي الجزائري.
ومن بين الشهادات التي يتضمنها الكتاب، شهادة تستعيد صورة الفنان في ذاكرة أحد معاصريه، إذ جاء فيها: "فنان كبير طبع طفولتنا ومراهقتنا. لقد ذكرت الشيخ الحاج حمادة حين كان يقيم بحي "تيجديت" الشهير بمستغانم، وهو حي قديم، يمثل بالنسبة لهذه المدينة، ما يمثله حي القصبة العريق في الجزائر العاصمة. كانت داره تقع على بعد خطوات قليلة من دارنا، في قاع شارع 40، على المنحدر المؤدي إلى ‘السويقة التحتانية’، أسفل الحي الشهير".
تستحضر الشهادة أيضا هيئة الشيخ وأناقة مظهره، اللتين جعلتاه معروفا من بعيد، فقد كان يحرص على الظهور في أبهى حلة، بملابس تجمع بين التقليدي والعصري ولا تشوبها شائبة؛ إذ كان يرتدي سترة تعلوها صدرية، ويضع فوقها "الشاش"، فيما كان سرواله من الطراز "العروبي"، وينتعل أحذية مخيطة يدويا. وقد عُرف الشيخ الكبير بأناقته اللافتة، وكان يضع ربطة عنق فوق قميصه، ويثبت على صدريته حبة فضية لحمل ساعة الزمن الجميل. وكانت اختياراته في المظهر تضفي على مشيته مسحة من الاعتداد والوقار؛ فقد كان الشيخ الحاج حمادة يفرض حضوره بقامته ووجهه النحيل شديد السمرة، الذي يخترقه شاربان كثيفان، فيما كان يتكئ على عصاه، مقدرا خطواته، ومحييا كل من يبادله الاحترام والتقدير، كما جاء في الكتاب.
ويصف الكاتب عبد القادر بن دعماش مشية الشيخ البطيئة المهيبة، وهو يجوب السلالم خطوة خطوة في اتجاه الساحة، حيث يستقل سيارة أجرة. وكان حضوره يثير إعجاب الفضوليين الذين تلاحقه نظراتهم، ويتكرر المشهد نفسه عند توجهه إلى وسط المدينة أو إلى "المقهى الكبير"، الذي أدارته في مطلع ستينيات القرن الماضي، أيقونة مستغانمية أخرى، هو الشيخ معزوز بوعجاج.
وإلى جانب هاتين الشخصيتين المحبوبتين والمحترمتين لدى عموم الناس، يستحضر بن دعماش اسم "كاكي"، أي عبد القادر ولد عبد الرحمن، الكاتب المسرحي غزير الإنتاج. وقد اجتمع الثلاثة في فضاء ثقافي واحد، انشغلوا فيه بتفكيك نصوص الثقافة الشعبية، واهتموا بشعر "الملحون"، كما تقاطعت رؤاهم حول إمكانية إدراج شخصية "المداح" في المسرح، في توجه جديد، استلهمه كاكي من تجربة بريخت.
وفي بوتقة الانصهار الثقافي التي كان يعتز بها رواد "القهوة الكبرى"، اعتاد الشيخ حمادة إدراج نصوص شعراء، أصبحوا جزءا من الذاكرة الثقافية الوطنية، على غرار مصطفى بن إبراهيم والشيخ بن قيطون وغيرهما. وقد حظيت هذه الأسماء بتقدير كبير لدى نظرائها في مختلف جهات الوطن، وفي مقدمتهم الشيخ الحاج محمد العنقى، الذي كان مقربا منهم. وأسهم هؤلاء الفنانون في إثراء نقاش كان يتشكل آنذاك حول مستقبل الثقافة الوطنية، ليغدو الشيخ الحاج حمادة، من هذا المنظور، مرجعا ثمينا في تثمين موروث فني وثقافي بالغ الثراء والعمق.
ومن الحقائق التي يبرزها الكتاب، أن الأغنية البدوية كانت الأكثر انتشارا في الجزائر، بالنظر إلى أن غالبية السكان كانوا يعيشون في الأرياف، ويمارسون النشاط الفلاحي. وقد اضطلع الريف، حسب المؤلف، بدور أساسي في الحياة الاقتصادية للبلاد، وهو ما جعل قسما كبيرا من الأغاني موجها إلى هذه الفئة من المجتمع، ومعانقا لانشغالاتها وتطلعاتها. وكان هذا اللون الغنائي يستجيب، على نحو خاص، لذائقة السكان الذين عاشوا حياة يومية هادئة، قوامها الإيمان والتمسك بالتقاليد، التي كانوا يحرصون على اتباعها والمحافظة عليها.
يشير الكتاب، إلى أن الشيخ الحاج حمادة سجل أعماله بدار حاج يوسف، كما غنى في مختلف أنحاء الوطن، وفق ما أورده محيي الدين باشطرزي في مذكراته. ويضيف أنه كان نجما في عدد من الحفلات التي رافق فيها باشطرزي وحبيب رضا ومحمد الكامل وكلثوم، خلال عروضهم المسرحية عبر الوطن، كما كانت أغانيه تبث عبر الإذاعة.
وحسب شهادات عديدة، يُقدر أن الشيخ حمادة سجل أكثر من 500 أغنية، يوجد نحو 200 منها في أرشيف الإذاعة الوطنية. ومن أشهر الأعمال التي أداها "بنات البهجة"، و«يا بويا كيراني" للشاعر أحمد بن تركي، و«الخادم يا بويا" لمنور بلغيث، و«الرومية" لبن حراث، و«الوشام" لبن مسايب، و«قمر الليل" لعبد الله بن كريو، إلى جانب أعمال أخرى. وامتد نشاطه الفني إلى بلدان المغرب العربي وفرنسا، مرورا ببرلين، حيث التقى المطرب محمد عبد الوهاب في جوان 1930. وفي السنة نفسها، التقى الشاعر والمغني عبد القادر الخالدي، وأثمر هذا اللقاء تسجيلا ثنائيا لقصيدة شعبية بعنوان "ميلود يا ميلود"، من كلمات الشاعر مصطفى بن إبراهيم.
كما يذكر المؤلف عددا من أشهر عازفي الناي، الذين رافقوا الشيخ حمادة، وهم بن زقور، ومذكور، وبوعلام، وعباس، ومطاح، وبلقاسم، وأحمد رابحي، والحاج بوراس. ولم يقتصر إسهام الشيخ حمادة على الأداء والغناء، بل امتد إلى التجديد الموسيقي، إذ أسهم في نقل الشعبي إلى اللون البدوي، وكانت حصيلة ذلك إبداع لون جديد هو النوع البلدي، أي الحضري، كما يورد الكتاب.
وبعد عودته بأيام قليلة من البقاع المقدسة، وبعد حياة امتدت 79 سنة، رحل الشيخ الحاج حمادة عن عالمنا يوم 9 أفريل 1968، تاركا وراءه رصيدا فنيا ظل حاضرا في الذاكرة الموسيقية الوطنية. وكان أمله الأكبر، حسب ما جاء في المؤلف، أن يكسر الحاجز الفاصل بين اللونين البدوي والحضري، من أجل تقديم أغنية شعبية موحدة، وهي فكرة يصفها الكتاب بالرائدة، لارتكازها على رؤية ذات بعد وطني.
وفي حديثه إلى "المساء"، على هامش جلسة البيع بالتوقيع، أكد الباحث عبد القادر بن دعماش، أن الراحل الشيخ حمادة أسهم في توحيد الشعر الملحون، ليضم الحوزي والأندلسي، مشيرا إلى أن صوته، وهو والد شهيدين خلال ثورة التحرير، تجاوز حدود الزمن وترسخ في الثقافة الوطنية. كما أوضح أن الكتاب يضم صورا فوتوغرافية، إلى جانب نصوص الأغاني التي أداها الفنان، بما يتيح للقارئ التعرف على جوانب من مسيرته وإسهاماته الفنية.