معرض نصر الدين داودي بمركز"مصطفى كاتب"

بعض من الاستشراق وكثير من التقنيات السوفياتية

بعض من الاستشراق وكثير من التقنيات السوفياتية
  • 585
مريم. ن مريم. ن

يجمع معرض داودي نصر الدين "تأثيرات" المقام حاليا بمركز التسلية العلمية "مصطفى كاتب"، بين الفن الاستشراقي والمدرسة السوفياتية العريقة التي تخرج منها هذا الفنان المحترف، ليبقى الشعاع الغالب في كل تلك الأعمال من اتجاه الشرق، حيث تُطرح مواضيع وأساليب شتى، خضعت كلها لريشة الفنان وقناعاته. التقت "المساء" الفنان الهادئ نصر الدين داودي عند زيارتها معرضه. ووقفت معه عند بعض أعماله، التي ضمنها بعضا من تجاربه الفنية المبنية على التكوين الأكاديمي العالي، وعلى الخبرة والممارسة. فبعض اللوحات (بالمعرض 28 لوحة) تطلق أنغاما خفية لا يسمعها إلا من يتأملها بكل وجدانه وعواطفه الإنسانية الصافية، فيما تبدو أخرى لقطات مصورة، ذات تسلسل في الأحداث.

ويبدو على هذا الفنان الهدوء وحكمة السنين التي قضاها في البحث والإبداع والتكوين والقراءة، وهو الأمر الذي انعكس، تماما، على أعماله ذات المحتوى العميق والمشهد المتقن، والمسار الطويل الذي قطف ثمارا شهية وناضجة بالخبرة والتمكن. وأشار في بداية حديثه مع "المساء"، إلى أنه يقيم بولاية باتنة، حيث يدرّس بالمدرسة الجهوية للفنون الجميلة منذ سنة 1987، وأصبح من أعمدتها، مضيفا أنه سبق له إقامة العديد من المعارض، آخرها كان في سنة 2018 برواق "محمد راسم". كما أكد داودي أن موهبته تفتقت في صباه لتكبر معه. واستطاع بموهبته وتكوينه أن يدير مدرسة الفنون الجميلة في الجزائر العاصمة، قبل أن يكمل دراسته في الفنون الجميلة بالاتحاد السوفياتي سنة 1979 لمدة 7 سنوات. وقال الفنان: كان لفترة دراستي بالاتحاد السوفياتي أثر كبير على مشواري الفني، حيث اكتسبت تقنيات وتكوينا عاليا، قد لا يوجد في مكان آخر". كما أكد أن هذا المعرض يجمع ما اكتسبه من معارف وتقنيات وبحث متواصل، ولذلك تَعمّد عرض بعض لوحاته القديمة، ومنها لوحة في بداياته، كي يبرز مدى التطور والثراء الذي اكتسبه عبر عقود من الإبداع، موضحا أن ما يجمع بين أعماله خاصة في جانب المعنى، هو التلقائية، والإلهام، وصدق الإحساس الذي يتجلى عبر كل اللوحات، ولذلك يتجاوب معها الجمهور، ويتأثر بها.

وبالنسبة لموضوع المعرض، أكد الفنان خلال حديثه إلـى "المساء"، أنه اعتمد على اقتباس أعمال فنانين مستشرقين أثروا فيه، منهم دولاكروا في لوحة "نساء الجزائر"، والرسام أوغوست رينوار في "العاصمية"، وأوراس ديرني في "الصيد بالأسد"، وأخرى للفنان الإيطالي "جيوفاني كوستا"، وغيرها من الأعمال، لكنه التزم بإعطاء كل لوحة استلهمها من هؤلاء، بصمته الخاصة التي تتمثل في الألوان، واللباس التقليدي، والفسيفساء وغيرها. وفي هذا المنحى يقول: "رسمت لوحة "نساء الجزائر"، وقمت بإلغاء حضور الخادمة فيها، على اعتبار أنها كانت مبتورة الظهور في العمل الأصلي. وعوضت ذلك بعمود رخامي. وكذلك الحال في لوحة "الصيد بالأسد"، حيث ألغيت منها بعض الفرسان، لكنني حافظت على أصالة العمل الذي أخذ مني الوقت. كما أكد المتحدث أن لوحات أخرى من توقيعه الخاص منها "القصبة"، وكذلك لوحات "بورتريهات من الجانب"، وبورتريهات لجزائريات رسمهن مستشرقون مجهولون، علما أنه غيّر خلفية اللوحة، وجعلها من وحي خياله، بها بعض التشاكيل والخطوط. وبالنسبة للوحات "الصبية" الممتدة عبر عدة لوحات في ظهور متعدد غيّر فيها الفنان بعض الأمور، حيث قال: "غيرت في الحلي واللباس، واجتهدت في الخلفية التي تضمنت أشكالا من السيراميك العاصمي والرموز وتقنيات الديكور".

وعن سبب ارتباطه بهذا الأسلوب الواقعي الذي عُرف به الفن الاستشرافي، أجاب: "أنا أحب الحركة في اللوحة وكذا الخطوط والحياة، وهو الأمر الذي أجده عند هؤلاء المستشرقين. كما إن تركيبة اللوحة فيها الكثير من الديناميكية التي تجعلها مشهدا حيا، وهو الأمر الذي تأثرت به، وعززت به أسلوبي الفني". وحين طواف "المساء" بالمعرض رفقة الفنان لاحظت مدى المزج في بعض اللوحات بين الظلال والعتمة، وبين الألوان الصارخة، منها الأحمر والبرتقالي الفاقع والأصفر. وأرجع الفنان ذلك إلى السعي لإخراج حركة ما أو شكل معيّن. وفي لوحة غناء العصفور قال عنها إنها مزيج وتكامل وتقابل بين الألوان، كتقابل بين الأزرق والبرتقالي، وبين الأخضر والبنفسجي. وسألت "المساء" هذا الفنان المحترف عن أهمية التكوين في الإبداع، فأجاب: "أنا، مثلا، فنان محترف، وأستاذ أقدم تكوينا أكاديميا لطلبتي مع مواد نظرية مهمة لأي فنان، منها، مثلا، تاريخ الفن. كما إنني نتاج تكوين المدرسة السوفياتية العريقة التي أكملت دراستي بها سنة 1986، بعد 7 سنوات من التكوين العالي، الذي ساعدني فيما بعد، في مشواري الطويل، وبذلك فإن من المهم أن يتوخى الفنان تكوينا أكاديميا حتى للفنان العصامي، وأن يصل كغيره إلى النجاح والشهرة.

ويكون مدرسة قائمة بذاتها، كما كانت الحال مع الراحل إسياخم الذي تأثرت به". للإشارة، يلقى المعرض الإقبال. وتجذب الكثير من اللوحات الجمهور خاصة الشباب منه. وبالمناسبة، أشار الفنان إلى أن مثل هذه المعارض تكاد تكون غائبة تماما بالداخل الجزائري، وتقتصر على بعض المدن الكبرى. كما حدّث "المساء" عن بعض معارضه بالخارج، وعن الجمهور الذي بقي وفيا لأعماله ولا يكفّ عن تشجيعه، فيما وقف على أهمية تسويق اللوحات الفنية وبيعها في الجزائر وخارجها، كي يستطيع الفنان مواصلة حياته الفنية.