“أضواء من واحات" لفيصل بركات برواق “عائشة حداد"
بساتين بسكرة الغناء وما جاورها من معالم وسواقٍ
- 154
مريم. ن
يواصل الفنان التشكيلي فيصل بركات بحثه في تراث منطقة الزيبان وطبيعتها، مستندا إلى ريشته المطواعة، التي توثق كل جمال وأصالة، جاعلا من عاصمة هذه المنطقة، العروس بسكرة فاتنة المستشرقين، فضاء للاكتشاف والإبداع. يقيم الفنان فيصل بركات معرضه “أضواء من واحات” برواق “عائشة حداد”، إلى غاية 27 أكتوبر الجاري، مكملًا مشواره الفني، الساعي إلى تثمين تراث بسكرة وما جاورها وإحيائه.
ريشة مدرَبة على الانطباعية
أشار الفنان، خلال حديثه لـ"المساء"، إلى التزامه كالعادة، بالأسلوب الانطباعي الذي تدربت عليه ريشته منذ سنوات، موضحا “عبر 39 لوحة من هذا المعرض، استعملتُ الأسلوب الانطباعي، لأنه الأكثر ملاءمة للواقع والحياة والمجتمع، وبالتالي للطبيعة والتراث. وهو أيضا المصوِر والمجسِد الأمين للأماكن والمواقع ومختلف الشواهد من تراثنا.
وبالتالي، عندما نريد أن نستحضر مكانا ما، نرجع إلى هذا الأسلوب الفني الأنسب، وكذلك الحال مع أسلوب آخر، هو الكلاسيكية الواقعية. أما باقي المدارس الفنية، ومنها التجريدية، فلا تعكس ذلك، ولا توضح بالتدقيق حي القصبة مثلا، لأن ذلك الأسلوب يجرد المكان من واقعه وواقعيته، ويجعل الجمهور يتصور القصبة كما يشاء، وليس كما هي أو كما كانت، موقعا قائما بذاته على أرض الواقع”.
بسكرة.. التاريخ وفاتنة المستشرقين
عن موضوع المعرض، الذي يتناول واحات بسكرة الغناء، أشار المتحدث إلى أنه اختار واحات بسكرة وما جاورها، خاصة تلك المناطق السياحية التي سلبت ألباب المستشرقين والسياح عبر الزمن، علما أن بسكرة سحرت كبار الفنانين العالميين، وكذلك الفنانين المستشرقين، الذين أبدعوا في رسمها. وأضاف “بالنسبة لي، قمت في هذا المعرض، بإدخال لمسة عصرية على أعمالي، تبرز أحيانًا لحظة الراهن، كي نسجل من خلالها زمننا الحالي للأجيال، تماما كما فعل السابقون وتركوا أثرهم. ويعني ذلك مساهمتنا، كفنانين، في تسجيل هذه الأماكن فنيا، لتبقى صورتها بعد أن يأتي زمان، قد تندثر فيه فتُنسى. وهذا “التوثيق” ليس حكرا على الرسامين، بل يمارسه أيضا المصورون والكتاب في أشعارهم ورواياتهم وغيرهم”.
وبالنسبة لاختيار الألوان، قال الفنان “أنتقي الألوان بشكل مدروس، مع الحرص في كثير من الأحيان، على نقل الألوان كما هي في الطبيعة والواقع، إضافة إلى بعض الألوان الموجودة في الطبيعة، لكنها تبقى حسية لا يدركها الإنسان، ولكنها تُوظَف فنيًا، كرؤية أفق يبدو من بعيد أنه أزرق أو أحمر، لكنه حين الاقتراب منه يبدو في لونه الحقيقي”.
حي المسيد نموذجا
بالنسبة لألوان الصحراء، أكد الفنان أنها تكون بين الحارة والباردة، أو بينهما في الوقت نفسه، وفنيا وتقنيا هناك مصطلح خاص هو “المجموعة اللونية للصحراء”. ومن الألوان التي يعتمدها الفنان الأزرق والبنفسجي والأحمر والوردي، مع انعكاس الضوء على اللون، فتبدو الألوان المحمرة تميل نحو الاخضرار، والعكس صحيح، واللون الترابي يتخلله الأصفر والاخضرار كذلك، إذ يميل في الصحراء إلى الصفرة. وذلك جانب تقني شرحه الفنان بإسهاب. وعموما، فإن وضع الألوان تم بتناسق رهيب، بعيدا عن العفوية، فلكل لون وظيفته ومكانه الذي لا يُستبدل بآخر.
خلال جولتها مع الفنان في المعرض، توقفت “المساء” عند لوحة حي المسيد العتيق ببسكرة، وهو حي سماه العثمانيون بهذا الاسم (أي المدرسة) حين دخله الباي وجيشه، بعدما لاحظوا انتشار المساجد والمدارس القرآنية به. ومشهد اللوحة، كما أبرزه الفنان، يعود إلى الفترة الاستعمارية، أي نهاية القرن 19. وتمتد هذه اللوحة إلى لوحة مجاورة أخرى عن مسجد سيدي موسى العتيق، الذي يقع في عمق حي المسيد، ويتجاوز عمره 600 سنة، وقد رُمم مؤخرا. وعن حي المسيد دائما، أشار الفنان إلى أنه يقيم فيه، رغم أن معالم الزمن أثرت فيه كثيرًا، وهو حي فتن كبار الرسامين والكتاب في العالم، ذكر منهم الكاتبة والصحفية والنحاتة الإنجليزية الشهيرة كلير شريدان (1885 ـ 1970) التي أقامت فيه، وهي أيضًا ابنة عم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرشل.
واستقرت الكاتبة في حي المسيد ببسكرة العتيقة، فبنت بيتًا لها هناك على طراز معماري تقليدي وسط بساتين النخيل، وكتبت وسجلت الكثير من تفاصيل الحياة اليومية والعادات السائدة في بسكرة والقرى المحيطة بها، مثل قرية “فلياش”. كما سجلت السينما مقاطع نادرة لها في منزلها ببسكرة عام 1929، وهي تحاول تعلم اللهجة المحلية، وتتبادل تعليم اللغة الإنجليزية مع سكان المنطقة.
وكان الكاتب الفرنسي المعروف أندري جيد يأتي لزيارة الكاتبة، وسجل بدوره الكثير عن بسكرة، إضافة إلى مشاهير آخرين دخلوا المنطقة التي سحرتهم، كالموسيقار العالمي بيلا بارتوك الذي زار بسكرة سنة 1913، لتسجيل ألحان تراثية محلية لمنطقة الزيبان، وتأثر كثيرًا بثقافة المنطقة. ومن اللوحات أيضا، لوحة حديقة لاندو، ثاني أكبر حديقة في الجزائر، وكذلك لوحات لمناطق أخرى عتيقة، منها مشونش وبرانيس والدشرة الحمراء وشتمة وحوزة الباي وقداشة وباب الضرب ومزديش وبوخالفة والقنطرة ومنعة، وغيرها كثير. خصص الفنان جانبًا من معرضه للقصبة العتيقة، تلبية لطلبات بعض جمهوره، معتبرا ذلك عرفانا لقصبة الجزائر الجميلة، إذ اختار منها بعض الدروب والسلالم والعيون، فيما خصص لوحة لحي عتيق آخر بتونس.
وعلى هامش المعرض، جلس الفنان حاملًا هاتفه، الذي سجل فيه صورا كثيرة عن بسكرة، خلال القرن 19 وبداية القرن 20، بعضها فوتوغرافية حصل عليها من أرشيف أجنبي، ومعها أيضًا لوحات زيتية عن بسكرة. وفي هذا الصدد، قال “هذه صور جميلة ونادرة، والفوتوغرافية منها كلها بالأبيض والأسود. أحيانا أستقي منها بعض المعالم والأماكن وغيرها، وأستعين بالذكاء الاصطناعي لتلوينها أحيانا، ثم أستلهم لوحتي الخاصة لأعيد إحياء كل ذلك بالرسم التشكيلي”.
كما شاهدت “المساء”، بعضا من تلك الصور، وأيضا من لوحات الفنانين الأوروبيين الذين أبدعوا في روائعهم “البسكرية”، في تصوير الأماكن والعادات والتقاليد والبيوت ويوميات الأشغال المنزلية للنساء وغيرها. وفي الأخير، صرح الفنان بركات، بأنه سيتفرغ تماما لتحضير مشروعه المتعلق برسم اللوحات الضخمة بالألوان الزيتية، الخاصة أيضا بتراثنا الوطني الزاخر.