جامع الجزائر يستحضر مرتكزات المرجعية الدينية الوطنية

امتداد تاريخي وإسهام حضاري في ترسيخ الهوية

امتداد تاريخي وإسهام حضاري في ترسيخ الهوية
وزير الدولة عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني
  • 54
ع. إ ع. إ

شكّلت المرجعية الدينية الجزائرية بمقوّماتها العقدية والفقهية والسلوكية وامتداداتها التاريخية، محور نقاش أكاديمي احتضنه صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، حيث توقّف باحثون وأكاديميون مختصون في الفقه والعقيدة والحضارة، عند خصوصية هذه المرجعية، وأبعادها الدينية والثقافية والحضارية، مستعرضين دورها في حماية هوية المجتمع الجزائري، وصون مقوّمات انتمائه، فضلا عن إسهامها في ترسيخ قيم الاعتدال، والتسامح، والحوار، والانفتاح على الثقافات الأخرى.

وجاءت هذه المقاربات خلال ندوة فكرية حملت عنوان"المرجعية الدينية الجزائرية وبناء ثقافة الحوار الحضاري"، بادر بتنظيمها جامع الجزائر ضمن البرنامج الثقافي للصالون. واستُهلّت بمداخلة وزير الدولة عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، الذي وضع المرجعية الإسلامية في صميم مسار تشكّل الهوية الوطنية، وتماسك المجتمع، مؤكدا أنّ "الإسلام هو القوة الروحية المحرّرة للوطن والموحّدة للأمة".

وفي سياق استحضاره البعد التاريخي والوطني لهذه المرجعية، أشار المتحدّث إلى أنّ مشروع نوفمبر" وضَّح هوية الدولة الجزائرية بعد استعادة الاستقلال، مع اعتبار الإسلام الإطار الحضاري، والمقوّم الأساسي للهوية الوطنية “، مبرزا أنّ المرجعية الدينية الجزائرية ظلّت على امتداد القرون وتعاقب الأجيال، بمثابة حصانة للمجتمع في مواجهة الانحراف والزيغ والغلوّ. وهي الوظيفة التي تواصل أداءها في الحاضر أيضا. كما شدّد على أنّ الحديث عن القيم الدينية الوطنية هو حديث عن أصالة الشعب الجزائري المسلم. وقال إنّ القيم الروحية والوطنية شكّلت على الدوام، سرّ تماسك الجزائريين، ووحدتهم عبر التاريخ، ولا سيما خلال فترات المحن والشدائد.

ومن زاوية تاريخية وعلمية، تناول مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية “ دار القرآن " عبد القادر بن عزوز، إسهامات الحواضر العلمية الجزائرية في المحافظة على الهوية الدينية والثقافية، من خلال مداخلته الموسومة بـ"الحواضر العلمية الجزائرية وإسهامها في حفظ الهوية الدينية والثقافية"، التي أبرز فيها المكانة التي احتلتها هذه الحواضر في صيانة الذاكرة الوطنية، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود.

وأوضح بن عزوز أنّ هذه الفضاءات لم تقتصر وظيفتها على التعليم وتلقين المعارف، بل تجاوزت ذلك لتصبح مراكز متكاملة لإنتاج العلم، وتداوله، وتثبيت القيم، وصون عناصر الانتماء الديني والثقافي. وفي هذا الإطار، استحضر الأدوار المتكاملة التي اضطلعت بها المساجد والمدارس والزوايا والمكتبات إلى جانب العلماء والأوقاف، في ضمان استمرارية النشاط العلمي، وتوارث المعارف والخبرات بين الأجيال.

أما عضو المجلس العلمي لجامع الجزائر السيد مصطفى وينتن، فقد انصبّت مداخلته المعنونة بـ “ المرجعية الدينية الجزائرية ودور جامع الجزائر في إرسائها “، على الخصائص التي منحت هذه المرجعية تميّزها، واستمراريتها، وفي مقدمتها عراقتها وأصالتها، وما راكمته من منجزات علمية في مجال تأصيل العلوم الشرعية، فضلا عن ارتكازها على منهج الوسطية والاعتدال، الذي يُعدّ من السمات المميزة للمجتمع الجزائري.

وفي تفصيله للمرتكزات التي تقوم عليها هذه المرجعية، وصفها وينتن بالثلاثية بالنظر إلى تكامل أبعادها العقدية والفقهية والسلوكية والأخلاقية؛ إذ يستند جانبها العقدي إلى عقيدة الإمام الأشعري. ويقوم جانبها الفقهي على فقه الإمام مالك، فيما يرتبط بعدها السلوكي والأخلاقي بتعاليم الإمام الجنيد. 

كما تطرّق المحاضر للمسؤولية التي يضطلع بها جامع الجزائر في تثبيت هذه المرجعية، وصون خصوصيتها، مستندا إلى ما تنص عليه وثائقه التأسيسية، حيث تتوزع وظائفه، حسب توضيحه، بين مهمة التعليم القائمة على الإنتاج العلمي الموجّه للجزائريين، والمنبثق من مشكاة المرجعية الدينية الوطنية الموحدة، والمهمة الاجتماعية والثقافية التي تشكل بدورها، أحد أبعاد رسالته.

وفي امتداد النقاش حول الحضور الحضاري لهذه المرجعية وآفاقها المستقبلية، قدّم الدكتور حمزة بلقاسم، الأستاذ بقسم الكراسي العلمية بجامع الجزائر، قراءة في موضوع "المرجعية الدينية الجزائرية وآفاقها الحضارية"، ركّز فيها على الإمكانات التي يتيحها هذا الموروث في بناء جسور التفاهم بين الحضارات وتعزيز قيم التسامح والتعايش. وأرجع مكانة المرجعية الدينية الجزائرية وما تتسم به من وسطية واعتدال، إلى ما تستند إليه من تراث أشعري ومالكي وجنيدي، بما يحمله من أبعاد دينية وحضارية.

وعرفت الندوة حضورا متنوّعا ضمّ شيوخا وأساتذة وأئمة وشخصيات ومسؤولين وباحثين جامعيين، من بينهم رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، السيد صالح بلعيد، ورئيس المجمع الجزائري للغة العربية، السيد شريف مريبعي، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، السيد عبد الحليم قابة، ومحافظ الصالون السيد محمد إقرب، فضلا عن عدد من زوّار الصالون، وفي مقدمتهم طلبة العلوم الشرعية، الذين تابعوا النقاشات المتعلقة بجذور المرجعية الدينية الجزائرية، وخصوصياتها، وأدوارها في الحاضر والمستقبل.