سعيد سعد يقدّم "صيف في نوميا" بدار عبد اللطيف
النفي مرحلة أخرى في سلسلة جرائم فرنسا بالجزائر
- 146
مريم. ن
استقبل "ديوان دار عبد اللطيف"، أوّل أمس، الكاتب سعيد سعد لتقديم كتابه الجديد "صيف في نوميا"، الصادر منذ أسبوع، والذي يوثّق جوانب مهمة من مأساة المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة، من خلال حكاية إنسانية تتقاطع فيها المعاناة والأمل، مع التفصيل في مشاهد فظيعة اقترفها المحتل الفرنسي. وتأسّف الكاتب على استمرار مثل هذه الجرائم إلى اليوم في حق الشعب الفلسطيني.
أكّد الكاتب أنّ الأدب يمكن أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، ولا سيما في الجزائر، حيث يوجد تقليد راسخ في نقل الروايات والحكايات شفهيًّا، موضّحًا أنّ الأدب يستطيع، بل يجب عليه، أن يؤدي دورًا في صون الذاكرة الجماعية. واستعرض جوانب من روايته التاريخية المؤسَّسة على وقائع حقيقية، مستهلًّا تدخّله بالحديث عن جزيرة الصنوبر، ذلك المكان الذي تتجاور فيه جماليات المناظر الطبيعية مع ظلال الماضي الاستعماري وصراعات الهوية، ليكتشف القارئ شخصية عبد القادر البستاني، الذي يكتنف ماضيه الغموض بكلّ ما فيه من آلام المنفى والذاكرة والقدرة على الصمود.
ويرتبط هذا العمل الأدبي بصفحة مهمة من تاريخ الجزائر لا تزال تعاني الغياب وتتطلّب المزيد من التوثيق والكتابة. وتروي القصة حياة أنطوان، الشاب الفرنسي، وعبد القادر البستاني، الجزائري المنفي قسرًا كغيره ممن اقتُلعوا من أرضهم ليجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عواقب التاريخ الاستعماري.
ويمزج النصّ بين الأوصاف التفصيلية والسياق السياسي لتلك الحقبة والشخصيات المستوحاة من مرحلة مفصلية في التاريخ الفرنسي، وهي مرحلة الإبعاد والنفي لأسباب سياسية أو جنائية إلى كاليدونيا الجديدة. وتضع التفاصيل الجغرافية، مثل نوميا وجزيرة الصنوبر وبوراي، إلى جانب التوضيحات المتعلقة بالأوضاع القانونية للمحكوم عليهم، من مبعدين وسجناء الأشغال الشاقة ومدانين بالأعمال القسرية، أحداثَ الرواية ضمن إطار واقعي يستند إلى الوثائق التاريخية.
وتدور الأحداث في نهاية القرن الـ19، أي بعد ثورة المقراني عام 1871، وقد أكّد الكاتب أنّه وصف، من خلال توظيف الخيال الروائي، الحياة اليومية للجزائريين الذين رُحّلوا إلى كاليدونيا الجديدة، وتحديدًا إلى جزيرة الصنوبر (جزيرة دي بان)، التي نُفي إليها الجزائريون خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أوضح أنه أراد التعبير عن معاناتهم العميقة وآمالهم وخيبات أملهم، وعن ظروف الحياة القاسية والمروّعة التي عاشوها عام 1873.
وأكّد الكاتب أنّه أجرى أبحاثًا عديدة من أجل الاقتراب قدر الإمكان من الواقع ومن تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها المنفيون في ذلك الأرخبيل الواقع في أقصى بقاع العالم، ومما اعتمده، حسب ما ذكر، أطروحة دكتوراه غنية بالمعلومات للباحثة مليكة ونوغي، بعنوان "المُرحَّلون الجزائريون إلى كاليدونيا الجديدة من سنة 1864 إلى يومنا هذا". كما أشار المتحدّث إلى أنّه أطلق العنان لخياله، مع الحرص على احترام العناصر التاريخية الأساسية التي ميّزت تلك الفترة، مثل تواريخ مجموعات الترحيل، وأسماء الجزر والسفن التي استُخدمت لنقل المُرحَّلين.
و«صيف في نوميا" قصة تاريخية متخيَّلة، تدور أحداثها على خلفية فترة تاريخية حقيقية، تتعلّق بغالبية هؤلاء المنفيين من الجزائريين الذين حُكم عليهم بالنفي عقب ثورة المقراني. ويذكّر سعد بأنّ عمليات الترحيل إلى كاليدونيا الجديدة كانت قد بدأت في الواقع منذ سنة 1864، إثر انتفاضة أولاد سيدي الشيخ، ثم جاءت موجة ثانية من المنفيين الجزائريين ابتداءً من سنة 1873، في أعقاب انتفاضة المقراني، تلتها انتفاضة العمري سنة 1876.
ويستحضر الكاتب هذه الملحمة من خلال شخصيات متخيَّلة، من بينها عائلة بيرتييه، وهي عائلة ثرية تقيم في جزيرة الصنوبر، وتستعين ببستاني جزائري يدعى عبد القادر، حُكم عليه بالنفي البسيط وسُمح له بالعمل. ومع مرور الوقت، نشأت صداقة بين عبد القادر والشاب أنطوان، أحد أبناء عائلة بيرتييه، وقد أُعجب الفتى بحكمة الشخصية الجزائرية وعمقها، ثم يُصدم حين يصبح محاميًا، وهو يفتّش في وثائق أبيه، بالجرائم المرتكبة ضد الجزائريين، فيعود إلى الجزائر ليكتشف المزيد من الجرائم والبؤس.
ومما كتبه المؤلّف أنّ هؤلاء المرحَّلين كانوا عاجزين أمام المكتوب، فيقضون بعض الوقت جالسين عند عتبات أكواخهم ويتبادلون الأحاديث في محاولة لنسيان محنتهم؛ فقد نما شعرهم مجدّدًا بعد أن حُلقت رؤوسهم، غير أنّ ملامحهم كانت قد تدهورت، إذ بدوا وكأنّهم يعانون إرهاقًا مزمنًا يثقل كاهلهم، وكان كل واحد منهم يحمل ندوبًا وآثارًا تروي الكثير من المرارة. وذكر الكاتب أنه حين يموت أحدهم لا يُدفن، بل يُرمى في المحيط لتأكله أسماك القرش.
وأثناء المناقشة، تناول المتحدّث مساره في البحث التاريخي منذ أن كان صحفيًّا بوكالة الأنباء الجزائرية، متمنيًا أن يتحوّل الكتاب إلى فيلم سينمائي، ومتمنيًا أيضًا أن يعبر إلى الضفة الأخرى ليقرأه أبناء الفرنسيين. كما استحضر جوانب من حرب التحرير، خاصة بمنطقة ذراع الميزان، مؤكدًا أن هناك أبطالًا وشهداء عبر الوطن لا يزالون مغمورين، ومن واجبنا إحياء ذاكرتهم. للإشارة، سيكون سعد حاضرًا في جناح منشورات "داليمان" بمعرض الجزائر الدولي للكتاب أيام 2 و5 و7 نوفمبر 2026، كما سيصدر الكاتب خلال الأيام القليلة المقبلة سيرة عن الراحل دحمان الحراشي بعنوان "صوت المنفى".