الدكتورة آيت يحي تحاضر بقصر حسين داي:
النسخة الرقمية ضرورة لحفظ التراث ونقله للأجيال
- 177
لطيفة داريب
قالت الدكتورة المهندسة نرجس آيت يحي في مداخلتها التي قدّمتها أوّل أمس بقصر حسين داي بعنوان "أهمية النسخة الرقمية في الحفاظ على التراث المعماري الجزائري"، إنّ النسخة الرقمية أصبحت اليوم أداة لا غنى عنها لحفظ التراث. كما تُعد وسيلة أساسية في نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة.
أضافت المهندسة نرجس آيت يحي في مداخلتها التي قدّمتها في إطار شهر التراث الذي تحييه مديرية النشاطات الثقافية لولاية الجزائر، أنّ التراث الجزائري يُعدّ إرثا غنيا وثمينا، يعكس تنوّع الحضارات التي تركت بصمتها على البلاد من العصور القديمة حتى يومنا هذا، مثل الموقعين الأثريين تيمقاد وجميلة، والمجمعين الحضريين الهامين "القصبة "ومنطقة الميزاب. كما يمثّل في آن واحد ذاكرة جماعية حيّة، وركيزة أساسية للهوية الوطنية.
وتابعت أنّ تراثنا يواجه اليوم، العديد من التهديدات، لا سيما التدهور الطبيعي، والمخاطر المناخية والزلزالية، والتوسّع العمراني العشوائي، فضلا عن الافتقار إلى وسائل الحفظ المناسبة، ولهذا السبب أصبح الحفاظ عليه اليوم، أولوية رئيسية. وحثّت الأستاذة على إدخال التكنولوجيات الحديثة على عملية الحفظ هذه، لا سيما النسخ الرقمية، من خلال استعمال عدّة تقنيات؛ مثل التصوير المساحي الضوئي، والمسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، أو حتى النمذجة؛ لأجل توثيق التراث، وحفظه، وتقييمه بشكل أفضل.
ورأت المحاضرة أنّ النسخة الرقمية يُقصد بها إنشاء تمثيل رقمي دقيق لمبنى أو موقع تراثي، يتيح استنساخ شكله وأبعاده بدقة، وأحيانا حتى مواده، وتفاصيله المعمارية بعبارة أخرى، إذ يتعلّق الأمر بتحويل نصب تذكاري حقيقي إلى نموذج رقمي، يمكن تصويره، وتحليله، وحفظه، وحتى إعادة بنائه، وزيارته افتراضيا؛ فهي نوع من الذاكرة الرقمية، وللتراث.
كما ذكرت آيت يحي أنّ أهمية النسخة الرقمية للتراث تتمثّل أوّلا، في الحفاظ عليه، حيث تسمح النسخة الرقمية بإنشاء أرشيف دائم للتراث، لهذا حتى لو تعرّض أحد المعالم للتلف أو اختفى بسبب الكوارث الطبيعية أو التدهور أو مرور الزمن، فإنّه يبقى محفوظا في شكل رقمي، علاوة على أنّها تشكّل ذاكرة رقمية، تسمح بالحفاظ على تاريخ الموقع وخصائصه للأجيال القادمة.
ثانيا، تكمن أهمية المسح الرقمي في الحصول على قياسات دقيقة للغاية للمباني الخاصة بالأبعاد، والأشكال، والتفاصيل المعمارية. وتشكّل هذه البيانات أساسا مهمّا للبحث، سواء في مجال الهندسة المعمارية، أو علم الآثار، أو صون التراث، بالإضافة إلى تقديم المساعدة في مجمل التدخّلات، حيث تشكّل النماذج الرقمية أساسا مرجعيا موثوق فيه لجميع التدخّلات المتعلّقة بالتراث، مثل الترميم، وإعادة الترميم، وإعادة التأهيل، فتعمل النسخة الرقمية على تحليل مدى تدهور المعلم، ومحاكاة عمليات التدخّل، وتوجيه عمليات إعادة البناء، تضيف المحاضرة.
ودائما عن أهمية إتاحة النسخة الرقمية للتراث، تحدّثت المهندسة عن ضرورة إتاحة التراث للجميع حتى عن بُعد، بفضل النماذج ثلاثية الأبعاد، إذ يمكن إجراء جولات افتراضية، وتطوير السياحة الرقمية. وانتقلت الدكتورة في محاضرتها إلى عملية إنشاء نسخة رقمية للتراث، من خلال جمع البيانات التي تُعد الخطوة الأولى في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المبنى أو الموقع التراثي، ولا سيما الوثائق الموجودة (المخطّطات، المحفوظات والكتابات)، باستخدام التصوير المساحي الضوئي، أو الماسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، أو طائرة دون طيار، بهدف الحصول على تمثيل دقيق لشكله، وأبعاده وتفاصيله. وقدّمت آيت يحي أمثلة تخصّ هذه العملية؛ مثل التصوير المساحي التي يُقصد بها التقاط عدّة صور للمبنى من زوايا مختلفة.
بعدها تتم معالجة هذه الصور بواسطة برنامج حاسوبي لإعادة بناء نموذج ثلاثي الأبعاد، بغية تحديد التفاصيل المعمارية باستخدام معدات بسيطة (كاميرا أو هاتف ذكي)، وكذا الماسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، الذي يستخدم الليزر لقياس هندسة المبنى بدقّة. ويُنتج سحابة نقطية عالية الكثافة، تمثّل الشكل الدقيق للمبنى. كما يضمن دقّة عالية جدا، والقدرة على التعامل مع المباني المعقّدة، بالإضافة إلى استخدام طائرة دون طيار لالتقاط صور جوية، وبالأخصّ للسيارات، والواجهات العالية، والمناطق التي يصعب الوصول إليها. وهي تكمل التقنيات الأخرى من خلال توفير رؤية شاملة للموقع.
أما عن كيفية معالجة البيانات، فذكرت آيت يحي أنّه بعد مرحلة جمع البيانات تتمّ معالجتها باستخدام برامج متخصّصة لتحويل القياسات إلى نموذج رقمي، قابل للاستخدام. وأضافت أنه يتم استيراد البيانات التي تم جمعها (الصور أو المسح الضوئي) إلى برامج متخصّصة، حيث تقوم البرامج بتحليل الصور أو قراءات الليزر، علاوة على تحديد النقاط المشتركة بين اللقطات المختلفة، وتصفيف البيانات، وجمعها، ومن ثم إعادة بناء هندسة المعلم. أما عن عملية نمذجة ثلاثية الأبعاد والتصوّر البصري، فيكون من خلال سحابة النقاط (مجموعة كبيرة من النقاط في الفضاء، تُستخدم لتمثيل شكل جسم أو مكان بشكل دقيق)، التي تمكنّنا من الحصول على نموذج ثلاثي الأبعاد واقعي للمعلم الأثري.
للإشارة، السحابة الرقمية هي تمثيل المبنى المراد رسمه بواسطة آلاف أو ملايين النقاط الصغيرة، التي باجتماعها تعطي شكلا قريبا جدا من الواقع. وتُستخدم في مجال التراث؛ من خلال توثيق المباني الأثرية بدقة عالية، ودراسة حالتها (تشوّهات، تشقّقات…)، وإعداد مشاريع الترميم، والقيام بالمحاكاة والتصور البصري للتدخّلات.