ندوة " التراث المخطوط والتحوّلات التقنية المعاصرة " بفضاء " روح البناف "

المكتبة الوطنية الجزائرية نموذجا

المكتبة الوطنية الجزائرية نموذجا
  • 151
مريم. ن مريم. ن

ااحتضن فضاء " روح البناف "، أول أمس، ندوة بعنوان " المكتبة الوطنية الجزائرية: التراث المخطوط والتحولات التقنية المعاصرة "، استعرضت واقع المخطوطات بوصفها الوعاء الفكري والتاريخي والحضاري للأمة. وأبرزت التحديات الكبيرة، والجهود المبذولة لحماية هذا الإرث، ومواكبة العصر الرقمي.

ستعرض الدكتور منير بهادي، مدير المكتبة الوطنية بالحامة، جهود حفظ التراث المخطوط، من خلال الترميم والتصوير والرقمنة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي؛ باعتباره من أبرز الأدوات التقنية المعتمدة في صون التراث الثقافي بالمكتبة الوطنية، بوصفها حاضنة للتراث الوطني، وخازنة له. وأوضح أنّ المكتبة تضم ّحاليا 6924 مخطوط، ومن المنتظر أن يرتفع عددها قريبا ليتجاوز سبعة آلاف بعد اقتناء المزيد من المخطوطات، من بينها النادرة، والثمينة.

وأضاف أنّ الجزائر تحصي 46268 مخطوط محفوظ في 587 خزانة موزّعة عبر الوطن، من بينها خزائن الزوايا والمدارس القرآنية، والعائلات، وهي، حسب المتحدّث، تمثّل رصيدا ضخما من المخطوطات لا مثيل له في كثير من دول العالم، مشيرا إلى أنّ رصيد دول الجوار لا يتجاوز أربعين ألف مخطوط. وركّز مدير المكتبة الوطنية على أهمية جرد الفهارس، والاستناد إلى تصريحات أصحاب الخزائن، إلى جانب إشراك مخابر البحث، والاستفادة من المدونات التي تحصي المخطوطات الموجودة في الجزائر، فضلا عن المخطوطات الجزائرية الموجودة في الخارج؛ في فلسطين، والبوسنة، والبرتغال، وتركيا، وإسبانيا وغيرها.

وأشار المتدخّل إلى أنّ المعطيات المستخلصة من المخطوطات تبيّن أنّ 80 بالمائة من الجزائريين كانوا متعلّمين سنة 1830، مستدلا بالعديد من المخطوطات الموجودة في الزوايا، وعند العائلات، والتي تشهد على ذلك. أما المكتبة الوطنية فتعمل على ترميم المخطوطات، وتجهيزها؛ تمهيدا لرقمنتها من خلال مشروع كبير، سيرى النور قريبا.

وأكّد المتحدّث أنّ المخطوطات لا تقتصر أهميتها على المنظور التقني المرتبط بالترميم، والرقمنة، والتجهيز والحفظ، بل تعكس أيضا تنوّع الموروث الحضاري من خلال الخط العربي الجزائري، على غرار الخط القندوسي، والزخرفة بماء الذهب، بما يدلّ على أنّ الشعب الجزائري قارئ، وذو ذائقة فنية. كما تزخر المخطوطات برسومات راقية. وتكشف عن تقنيات دقيقة في صناعة الحبر بطرق كيميائية، بالاعتماد على مواد مختلفة، من بينها الحشرات المستعملة لاستخراج الألوان، وهو ما يعكس تجربة معرفية متقدّمة في صناعة الأدوات والمواد التقنية.

وأضاف المتحدّث أنّ بعض خزائن العائلات يعود تاريخها إلى قرون. ورغم تواضع أحوال تلك العائلات، إلا أنّها ظلّت حريصة على حفظ هذا التراث. ويتجلى ذلك، مثلا، في جانت؛ حيث يحرص الأهالي على حماية المخطوطات حتى في الحالات التي يفيض فيها الوادي؛ فعلى الرغم من الخطر يتخلى كثيرون عن إنقاذ بقية الأمتعة، لكنهم لا يفرطون في المخطوطات. وأشار إلى أن عملية الرقمنة شملت هذه المنطقة أيضا.

ولفت المتدخّل إلى أنّ الزوايا تضم كثيرا من الكتب العلمية التي تتناول الفلك، والأرصاد الجوية، والطب، والمنطق وغيرها. وذكر من بينها مخطوط أحمد بن يوسف التفاسي المختص في الأرصاد الجوية. كما أوضح أنّ عملية الرقمنة في الجنوب مكّنت من اكتشاف مخطوطات تتعلّق بالعقود التي كانت تدخل في مختلف المعاملات، وتدوّن تفاصيلها، وهو ما يَدُلّ، حسبه، على أنّ الإدارة كانت موجودة في الجزائر قبل دخول الاستعمار الفرنسي.

كما يشكّل ذلك دليلا على انتشار الكتابة، وأن سياسة التجهيل جاءت مع الاستعمار الفرنسي. وتناول المتدخّل أيضا تاريخ مكتبة الأمير عبد القادر التي تُعدّ أصل المكتبة الوطنية إلى جانب مسار انتقال المخطوطات الجزائرية إلى الخارج، ومنها إلى دول الساحل، وتحديدا تمبكتو، موضّحا أنّ المخطوطات كانت تُنقل عبر القوافل، وأنّ طرق تجارتها ازدهرت منذ القرن الخامس عشر ميلادي.

ومن جانبه، تناول الأستاذ عبد الرحمن بلفضيل توظيف الذكاء الاصطناعي في دراسة المخطوط الطبي، متوقّفا عند المفردات الطبية المعروفة بالبدليات، وأسماء الأدوية وما يقابلها في بلدان أخرى، فضلا عن الوصفات الطبية والأوزان. وأبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في التنبيه، أحيانا، إلى خطورة بعض الوصفات الطبية القديمة. كما ساهم في اختصار الجهد والوقت عند جمع أسماء أعلام الطب المسلمين، داعيا إلى توظيف هذه التقنية في تحقيق المخطوطات العلمية.

أما الدكتورة فطومة بن يجي من مصلحة المخطوطات بالمكتبة الوطنية، فتحدّثت عن تحديد العمر التقريبي للمخطوط بالاعتماد على تاريخ جرد المتن، إلى جانب الاستعانة بالفهارس والعلامات المائية لمعرفة تاريخ الورق. وأوضحت أنّ مؤسّسات دولية وضعت قواعد بيانات تقنية، تتيح تقدير عمر المخطوط من خلال تسليط الضوء والأشعة على العلامة المائية، التي تمثل رمزا مميزا للورق. وأضافت أن المكتبة الوطنية اعتمدت منذ عشر سنوات، قواعد بيانات رقمية، بالتعاون أيضا مع طلبة متخصصين في الذكاء الاصطناعي.