يحمل هموم الأمة ويربي أجيال الغد

المسرح الجزائري.. بين الجرح والأسرار

المسرح الجزائري.. بين الجرح والأسرار
  • 78
سميرة عوام سميرة عوام

تنبض خشبة المسرح بالمشاعر الصادقة، وتتوهج الأضواء، لتعلن ميلاد لحظة، تتلاقى فيها آلام الأمة مع أحلام الأجيال الصاعدة، فيتحول المسرح إلى فضاء إنساني، تعبره الأرواح وتعلو فيه أصوات القضايا العادلة. ففي قلب الركح العنابي، يلتقي ألم الجرح القومي بابتسامة الطفولة، ليصنعا معًا حكاية، تشهد على قدرة الفن الرابع على الجمع بين عمق النضال وسحر التربية.

تجسدت هذه الحقيقة الفنية في المسرح الجهوي بعنابة، من خلال عرض مسرحية "في الجرح"، من إخراج زهية ناصف، وإنتاج الجمعية الولائية الثقافية الشبانية "نجوم الفن للمسرح والسمعي البصري" بالبليدة. غاص العمل في أبعاد القضية الفلسطينية والجرح العربي النازف، متناولًا معاناة أهالي المخيم الصامدين، ومستحضرًا صمود الشعوب ورغبتها الحرة في التحرر، عبر أداء درامي مؤثر، تأثرت له القلوب، مؤكدا أن الركح الجزائري سيبقى دائمًا، نبضًا حيًا لنصرة القضايا العادلة.

وفي امتداد مسرحي يفيض بالإلهام والتوجيه، احتضنت دار الثقافة "محمد بوضياف" بعنابة، عرض مسرحية "مخيم الأسرار"، من إنتاج المسرح الجهوي "محمود تريكي" بقالمة، وإخراج مفيدة عداس، بمساعدة فخر الدين لونيس، عن نص أكرم عتمة. قدم العرض فرجة متكاملة، لامست أرواح الأطفال، ومزجت بين المغامرة والرسالة التربوية التوعوية.

طرحت المسرحية قضايا جوهرية، منها ترسيخ قيم التعاون ومواجهة التنمر، وإبراز انتصار الذكاء ورجاحة العقل على القوة الجسدية. وتألق في تجسيد أدوارها نخبة من الممثلين، منهم سليم مخانشة ومأمون سهتال ومريم فنيدس، كما أسهمت في نجاحها سينوغرافيا سهيل بوخضرة، وموسيقى نجيب أوبراهم، وإضاءة رؤوف برناوي، فخلقت تناغمًا بصريًا وصوتيًا أسر الحضور.

تتجلى المزاوجة الفنية والوجدانية بين العرضين، في اتخاذهما من "المخيم" والمواجهة رمزا محوريا؛ فبينما يمثل المخيم الفلسطيني في "في الجرح" رمزا للصمود والتمسك بالحق التاريخي، يمثل "مخيم الأسرار" فضاء تربويا، يتعلم فيه الجيل الجديد بناء المستقبل بالذكاء والقيم النبيلة. إن هذا التكامل بين تجسيد المأساة العربية وتربية الأجيال الصاعدة، يؤكد الدور الريادي للمسرح الجزائري؛ فهو يدافع عن الهوية والقضايا العادلة، ويغرس في نفوس الصغار قيم الشجاعة والأمل، ليصنع فرجة هادفة، تجمع بين عمق الرسالة وجمال العرض.

تستدعي هذه المزاوجة الفنية، وقفة نقدية تحليلية، تبرز الجوانب الجمالية والتقنية لكل عمل، وقد قدمها مجموعة من المخرجين والنقاد. ففي مسرحية "في الجرح"، برزت قوة العرض في صدقه الشعوري وحضوره الدرامي المكثف، الذي نجح في شحن القاعة بعاطفة وطنية عالية، إلى جانب تمكن الممثلين الملحوظ من تجسيد معاناة الصمود. غير أن العمل وقع أحيانًا في فخ المباشرة والخطابية الشعارية، ما حد من ثراء اللغات المسرحية الأخرى، كما أثرت قتامة الإضاءة والديكور في بعض المحطات، في التنوع البصري والإيقاع العام للعرض.

في المقابل، تميزت مسرحية "مخيم الأسرار" بتناغم تقني عالٍ، تجلى في الانسجام البديع بين سينوغرافيا سهيل بوخضرة وموسيقى نجيب أوبراهم وإضاءة رؤوف برناوي، ما صنع فرجة مبهجة، نجحت في تمرير الرسائل التربوية بكوميديا ذكية، دون السقوط في الوعظ الجاف. إلا أن العرض عانى من كثرة الشخصيات التي أحدثت ازدحامًا على الركح، وقللت من مساحة البروز الأدائي لبعض الممثلين، إضافة إلى صعوبة تحقيق توازن في صياغة الحوارات، يراعي الفئة العمرية الواسعة المستهدفة، إذ بدت بعض الحوارات بسيطة بالنسبة إلى الكبار، ومعقدة نسبيًا على الأطفال الصغار.


صبرينة قريشي: بهجة الوجود في "لالة بونة"

أبدت الفنانة القديرة صبرينة قريشي فرحتها بوجودها في جوهرة الشرق "لالة بونة" عنابة؛ للمشاركة في فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي. وأكّدت أنّ أجواء المهرجان والتفاعل الجماهيري الراقي، أضفيا سحرًا خاصًّا على التظاهرة، متمنية التوفيق لحاملات المشاريع والمبدعات اللاتي يصنعن الحدث فوق الركح.


شنيقي يدعو إلى كسر القوالب الجاهزة:

لا فرجة ناجحة بلا بحث ومراجعة

تميّزت جلسة مناقشة حاملات المشاريع الفنية ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، بحضور البروفيسور والناقد الأكاديمي أحمد شنيقي. وشكّل وجوده في هذا الفضاء الحواري، إضافة نوعية أثرت النقاش؛ لما يحمله من أرشيف نقدي، ومعرفة عميقة بمسارات الخشبة الجزائرية والعالمية.

واستعرض البروفيسور شنيقي خلاصة تجاربه الأكاديمية والميدانية الممتدة لعقود، متوقّفًا عند أهمية التأسيس الفكري والمعرفي للنصّ والدراماتورجيا قبل الشروع في التجسيد البصري. ودعا المبدعات وحاملات المشاريع إلى الخروج من الأطر التقليدية الجاهزة، والبحث عن أشكال تعبيرية معاصرة تستمد أصالتها من الواقع، وتنفتح على التجارب العالمية دون فقدان الهوية.

وشدّد الناقد في نصائحه للمشاركات، على أهمية الرؤية التفكيكية للنصّ، والاشتغال التشاركي بين المخرج والسينوغراف والممثل، مؤكّدًا أنّ الفرجة المسرحية الناجحة لا تُبنى على المصادفة بل على المراجعة النقدية المستمرة، والبحث الميداني الصارم. وأوضح أنّ المسرح النسوي بحاجة اليوم، إلى امتلاك أدوات نقدية ذاتية شجاعة، تجعل من العرض الفني رسالة جمالية وفكرية، قادرة على الصمود، والمنافسة. واختُتمت الجلسة بأجواء تحفيزية، وثراء فكري، عكسه التفاعل المباشر للمبدعات مع ملاحظات شنيقي؛ فقد استلهمن من خبرته النقدية زادًا معرفيًّا، ينير طريق مشاريعهن المسرحية الواعدة.