إفريقيا من أجل وعي ثقافي جديد
المثقف في مواجهة الاستلاب.. من استعادة الذاكرة إلى امتلاك المعرفة
- 118
ع. إ
لم يعد الرهان الثقافي في إفريقيا مقتصرا على استعادة الموروث الحضاري وحمايته، بل امتد ليشمل بناء استقلال فكري ومعرفي يحرر القارة من آثار الهيمنة الاستعمارية، ويفتح أمامها آفاقا جديدة للمشاركة في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا. وهي الرؤية التي شكلت محور نقاش باحثين ومختصين في الأدب والفكر السياسي، خلال ندوة احتضنها فضاء "روح الباناف"، أوّل أمس الجمعة، ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، حيث أجمع المتدخّلون على أهمية استنهاض دور المثقف الإفريقي في صياغة وعي جماعي يستند إلى الخصوصيات التاريخية والثقافية للقارة، وينفتح في الوقت ذاته على مكتسبات الحداثة.
في هذا الإطار، وضع الباحث التشادي، جار النبي عطية، مسألة التحرر الثقافي في صلب مسؤولية المثقف الإفريقي، معتبرا أن الثقافة ليست مجرد موروث فلكلوري، وإنما تمثل أداة أساسية لبناء الهوية ومواجهة الهيمنة الفكرية والاستعمار الجديد، فضلا عن كونها مدخلا لاستعادة كرامة الشعوب الإفريقية وإطلاق مسار نهضتها، من خلال رؤية حداثية لا تنفصل عن رصيدها الحضاري والثقافي. وشدد على أن المثقف مطالب بمواجهة الأفكار التي تنتقص من قيمة الإنسان الإفريقي، والانشغال بقضايا مجتمعه، والتصدي لمظاهر التهميش والتخلف والأمية، مع العمل على وصل المعرفة الأكاديمية بمتطلبات التنمية المستدامة.
وتوقف المتحدث عند أهمية العلاقات الثقافية بين الفضاءين العربي والإفريقي، مبرزا الدور الذي يؤديه التشاديون والأفارقة الناطقون بالعربية في مد جسور التواصل بين العالم العربي والقارة الإفريقية، واعتبر أنّ التعدّد اللغوي والثقافي يمثّل ثروة ينبغي استثمارها باعتبارها مصدرا للإثراء والتنوع. كما ربط النهوض الثقافي بمدى الاهتمام بالقراءة والمعرفة، داعيا إلى تعزيز المؤسسات التعليمية والثقافية والمكتبات، وتوفير الظروف التي تتيح للأجيال الجديدة الوصول إلى الكتاب والمصادر العلمية ومختلف الأوعية المعرفية، من خلال مبادرات تكرّس حضور الثقافة في الحياة اليومية.
من جهته، تناول الباحث النيجيري، مصطفى إبراهيم شعيب، مسألة السيادة المعرفية من زاوية إحياء التراث الإفريقي والإسلامي والعربي، مؤكدا أن تحقيق استقلال ثقافي حقيقي يستدعي الانتقال من موقع استهلاك التكنولوجيا إلى المساهمة في إنتاجها. وفي هذا السياق، دعا إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة الثقافة، والانتقال نحو ما وصفه بالثقافة الذكية، مع ضرورة إدماج اللغات الإفريقية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز حضور القارة في المشهد المعرفي والتكنولوجي العالمي.
كما أبرز أهمية استعادة الرصيد التراثي المشترك بين الشعوب الإفريقية، وفي مقدمته الدين الإسلامي واللغة العربية والموروث الإفريقي، إلى جانب الإفادة من المخطوطات القديمة وما تختزنه من معارف في الفلسفة والفكر ومختلف المجالات العلمية. ورأى أن تجاوز آثار الاستلاب الثقافي الغربي والترسبات الكولونيالية يقتضي التمسك بالثقافة الأصيلة، وتحصين الهوية من أشكال الاستغلال المرتبطة بالاستعمار الحديث والتكتلات التقنية، مشددا على أن مستقبل إفريقيا لا ينبغي أن يظل رهينا باستهلاك منجزات الآخرين، بل يتطلب حضورا فاعلا في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.
أما الباحث والمحلل السياسي النيجري، مامادو عومرو، فقد جعل من الشباب محور مقاربته لمستقبل الوعي الإفريقي، داعيا إلى إيقاظ حسهم بالانتماء وتعزيز تشبثهم بهويتهم القارية، بالتوازي مع الانفتاح على التكنولوجيات الحديثة وتطوير القدرات الإبداعية والابتكارية في المجالات التقنية. واعتبر أن الشباب، بالنظر إلى نسبتهم الكبيرة ضمن سكان القارة، يمثلون القوة المحركة لأي مشروع نهضوي يستهدف إعادة بناء إفريقيا وتعزيز مكانتها في العالم، مؤكدا في هذا السياق ضرورة العودة إلى الجذور والذاكرة واستعادة الموارد والخصوصيات الثقافية، باعتبارها مرتكزات أساسية للتجديد والتحديث، مع الاستفادة من خبرات الشخصيات البارزة والمتخصصين في قراءة الواقع وتوجيه الأجيال الجديدة.
وفي سياق حديثه عن التحولات التي عرفتها القارة، انتقد عومرو التأثيرات الغربية التي اعتبر أنها أسهمت في تغيير منظومة القيم وزعزعة استقرار بعض الدول الإفريقية، وأضعفت ارتباط الشعوب بتاريخها وهويتها، مستشهدا بالقول إن "الشعوب بلا تاريخ ولا ثقافة كجسد بلا روح". كما أثنى على دور القيادات الجديدة التي تضع خدمة الشعوب الإفريقية في صدارة أولوياتها، وتعمل من أجل ترسيخ السيادة وتحقيق الكرامة.
وعكست مختلف المداخلات تقاطعا حول ضرورة تجاوز مفهوم التحرر المرتبط بمغادرة الاستعمار المباشر، نحو مواجهة أشكال الهيمنة الاقتصادية والثقافية والمعرفية المستجدة، عبر مشروع إفريقي مشترك يصالح الشعوب مع ذاكرتها، ويحول تنوعها الحضاري واللغوي إلى قوة دافعة للتنمية والابتكار.