تاريخ المعارك الأدبية وتحولاتها

المالكي تستوقف السجالات والأسئلة

المالكي تستوقف السجالات والأسئلة
الأكاديمية والشاعرة والناقدة السعودية دلال المالكي
  • 56
 نوال جاوت نوال جاوت

أكدت الأكاديمية والشاعرة والناقدة السعودية دلال المالكي، أن المعارك الأدبية في المشهد الثقافي السعودي ارتبطت، منذ بدايات تشكله الحديث، بتباين المرجعيات الفكرية واختلاف الأجيال والذائقات، فضلاً عن التنافس على المكانة والاعتراف، معتبرة أن هذه السجالات، رغم ما شاب بعضها من حساسيات ومواقف شخصية، أسهمت في تنشيط الحركة الثقافية وإثراء النقاش النقدي. جاء ذلك خلال ندوة فكرية، احتضنها صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، خُصصت لاستعراض تاريخ المعارك الأدبية وتحولاتها في السعودية والجزائر، وما ارتبط بها من أسئلة التجديد والهوية والحرية والرقابة.

أوضحت المالكي، في الندوة التي احتضنتها قاعة “الطاهر وطار”، أن نشأة هذه المعارك ارتبطت بالسياقات الاجتماعية والثقافية، حيث أسهم تعدد المرجعيات الفكرية واختلاف الروافد الثقافية، إلى جانب اتساع التعليم وحركة الابتعاث والانفتاح على تجارب الآخرين، في تشكيل بيئة خصبة للسجال. كما أدت الصحافة دورا أساسيا في نقل هذه المواجهات من المجالس واللقاءات الشفهية، إلى فضاء أوسع، أصبحت فيه المقالات والكتب والردود المتبادلة، أدوات للتعبير عن المواقف وترسيخ التصورات النقدية.

ولم تكن هذه المعارك، حسب قراءتها، وليدة الاختلاف في الأحكام النقدية وحده، بل غذتها أيضا الغيرة الأدبية والتنافس على المكانة والاعتراف، فضلا عن التباين بين الأجيال في فهم الشعر ومقاييس الإبداع. فلكل جيل تصوره الخاص للأدب، وهو ما جعل بعض الخلافات تتجاوز النصوص إلى المواقف الشخصية والفكرية، وإن أسهمت، في المقابل، في تنشيط المشهد الثقافي وإثراء النقاش النقدي.

وفي استعادتها تاريخ السجالات الأدبية السعودية، توقفت عند أسماء ارتبطت ببدايات، تشكل المشهد الثقافي الحديث، من بينها عبد القدوس الأنصاري ومحمد حسن عواد وحمزة شحاتة، حيث تداخلت أسئلة التجديد والهوية الثقافية، وامتدت الخلافات أحيانا إلى نقاشات تاريخية ومحلية، مثل الجدل حول جدة وسوق عكاظ وأصل تسمية عسير.

غير أن المحطة الأبرز، تمثلت في معركة الحداثة خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين احتدمت المواجهة بين الاتجاه المحافظ والمدافعين عن التجديد الشعري والنقدي. واتسع الجدل مع تداول شريط سعيد الغامدي وصدور كتاب لعوض القرني، لتتجاوز القضية حدود الاختلاف حول الأشكال الشعرية وأساليب الكتابة، وتتحول إلى سجال ثقافي وفكري، شاركت فيه أسماء، من بينها سعد البازعي وسعيد السريحي ومحمد العلي ومحمد الثبيتي ومحمد جبر الحربي، كما انعكست تداعياته على المؤسسات الثقافية، ومنها النادي الثقافي بجدة.

وأضافت أن السجالات تراجعت مع دخول التسعينيات في مجال الشعر، وانتقل بعضها إلى الرواية، مستحضرة تجربة تركي الحمد وثلاثيته “العدامة” و«الشميسي” و«الكراديب”، ثم الجدل الذي أثارته رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع، الصادرة سنة 2005، بسبب تناولها قضايا المرأة والعلاقات الاجتماعية، وما تطرحه من أسئلة حول حرية التعبير وحدود القبول الاجتماعي. وشددت في هذا السياق، على ضرورة قراءة التجربة الأدبية في مجملها، وعدم اختزال الكاتب في عمل واحد أو موقف عابر.

توقفت المالكي كذلك، عند حضور المرأة في تاريخ المعارك الأدبية، مشيرة إلى أن سجالاتها، سواء في الأوساط النسائية أو الصالونات الأدبية، لم تحظ بالتوثيق والبحث نفسيهما، اللذين نالتهما مواجهات الكتاب والنقاد الرجال، مستحضرة أسماء، مثل فوزية أبو خالد وهدى الدغفق، مثيرة بذلك سؤال حضور المرأة في كتابة تاريخ الأدب والنقد.

أما في تقييمها للمشهد الراهن، فرأت أن المعارك الأدبية أصبحت قليلة ومتراجعة، مقارنة بالمراحل السابقة، بفعل التحولات التي أحدثها الأنترنت والفضاء الرقمي. وأوضحت أن السجالات التي كانت تستمر عبر المقالات والكتب والردود المتبادلة اختُزلت في منشورات وتعليقات سريعة، قد تنتهي بمجرد حظر أحد الطرفين للآخر، دون إتاحة المجال لحوار معمق أو تطوير الحجج والمواقف. كما أسهم غياب عدد من النقاد والمثقفين، الذين شكلوا مرجعيات فكرية ونقدية في إضعاف عمق هذه المواجهات، في حين جعل قياس النقاشات بأعداد المتابعين والمشاهدات والتفاعل من الانتشار الجماهيري، عاملا مؤثرا في تحديد الطرف الذي يبدو أكثر حضورا، على حساب قوة الحجة والنقاش المعرفي.

من جهته، تناول الأستاذ محمد الحامدي، علاقة المعارك الأدبية بالرقابة والسلطة والمؤسسات التعليمية والثقافية، مستحضرا مواقف جامعية وثقافية وتدخلات اجتماعية، أثرت في حرية التعبير واستقبال التجارب الجديدة. أما الدكتورة الجزائرية آمنة بلعلى، فقدمت قراءة لمسار السجالات في الجزائر، ربطتها بقضايا اللغة والهوية والانتماء الثقافي، وتوقفت عند الجدل الذي أثارته رواية مولود معمري “الهضبة المنسية” المكتوبة بالفرنسية، وما طرحته من نقاش حول اللغة والروح الوطنية، فضلا عن الخلافات بين الكتاب المعربين والفرنكوفونيين، وتداعيات الرقابة بعد الاستقلال.

كما أبرزت بلعلى القيود الاجتماعية والثقافية التي واجهت المرأة الجزائرية، ولجوء بعض الكاتبات إلى الأسماء المستعارة، مستحضرة تجربة زليخة السعودي، قبل أن تتعزز مشاركة الأصوات النسائية منذ سبعينيات القرن الماضي، مع أسماء، مثل زينب الأعوج وربيعة جلطي وأحلام مستغانمي، وتتوسع مساحة التعبير النسائي خلال التسعينيات، مع تجارب من بينها فضيلة الفاروق.

وخلصت المداخلات، إلى أن المعارك الأدبية تظل مرآة للتحولات الثقافية والاجتماعية، وأن قيمتها لا تكمن في انتصار طرف على آخر، بل في قدرتها على تجديد الذائقة وتوسيع النقاش ومساءلة المسلمات، متى استندت إلى الحجة والمعرفة واحترام الاختلاف، بعيدا عن الإقصاء والرقابة وتصفية الحسابات.