البروفسور فهد الراشد في مداخلة حول الثورة والسينما في الجزائر:

الفيلم الوثائقي مرآة لفظاعة المستعمر وجسارة الشعب الجزائري

الفيلم الوثائقي مرآة لفظاعة المستعمر وجسارة الشعب الجزائري
  • 2624
❊لطيفة داريب ❊لطيفة داريب

نزل البروفسور والباحث اللغوي (فهد سالم خليل الراشد)، ضيفا على المجلس الأعلى للغة العربية، وقدّم مداخلة عنوانها "الثورة الجزائرية في عيون السينما الجزائرية، (فيلم ياسمينة -أنموذجا)"، أكد فيها أن الحديث عن السينما الجزائرية إنما في الحقيقة هو الحديث عن ثورة ضد المستعمر الفرنسي.

اعتبر البروفسور فهد سالم خليل الراشد الملقب بسفير الثقافة الكويتية بالجزائر، اعتبر الثورة الجزائرية غير عادية، وليست كسائر الثورات التي قرأناها أو سمعنا عنها، وأنها لا تقارَن حتى بالثورات الحديثة التي شاهدناها وعايشناها، مضيفا أنها بدأت بالاحتجاج، ثم الانتفاضة، ثم النضال، ثم الثورة العسكرية المسلّحة، ثم تأتي مرحلة الكفاح في إعادة بناء الجزائر الحديثة.

بالمقابل، قام البروفسور بتحليل فيلم "ياسيمنة"، إخراج جمال شندرلي ومحمد لخضر حامينة عام 1961، مشيرا إلى أن هذا الشريط القصير الذي أُنتج من طرف مصلحة السينما للحكومة الجزائرية المؤقتة القائمة آنذاك بتونس، يُعد من بين الأعمال الأولى للسينما الجزائرية المكافحة. ويصور قصة ياسمينة، فتاة صغيرة تائهة مع دجاجتها تسير إلى غاية الحدود للالتحاق بذويها بعد تدمير قريتها تحت وقع القنابل.

وانطلق الدكتور في عملية تحليل الفيلم، فقال: "إن  فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر وبكل ما تحمله من مأساة في حق شعب أراد حق العيش بكرامة، قد وفّرت مناخا خصبا للكتّاب السينمائيين الجزائريين، كما أنها شجعت المنتجين، وحفّزت المخرجين لكي يأخذوا من هذه الفترة رمزا بطوليا لمحاربة عنف المستعمر وبشاعة تصرفاته اللاإنسانية في حق شعب مسالم". وأضاف أن جمال شندرلي ومحمد لخضر حامينة اختارا اسم (ياسمينة)، وهو مأخوذ من نبتة الياسمين التي ترمز إلى السلام والمحبة. كما "اختار المخرجان لبطولة فيلمهما الوثائقي (طفلة). ولعل السؤالين اللذين نطرحهما على المخرجين هما: لماذا استخدما الأطفال؟ ولماذا طفلة وليس طفلا؟"، فأجاب الدكتور بأنّ الأطفال الجزائريين هم أكثر الأطفال تضررا وتعرضا لحرب مخلة بشرف الحرب، وحرب إبادة من القوات الفرنسية الغازية. أما عن اعتماد شندرلي وحامينة على طفلة لا طفل فيرجع إلى أن الطفلة تنشد الأمن والأمان والدفء والسكينة والاستقرار، كما أن الطفلة منذ الصغر تحمل قدرا من الأمومة والحنان. كما أشار البروفسور إلى اعتماد شندرلي وحامينة "السرد" على لسان الطفلة ياسمينة من بداية الفيلم إلى نهايته باللغة الإنجليزية، وهما يعلمان أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الحية الأولى؛ لذا فقد نجحا في إيصال رسالتهما إلى العالم، مضيفا: "هذه الطريقة - أيضا - أكثر الطرق تأثيرا في المشاهد حينما يسمع من طفلة وهي تحكي معاناتها بعد أن قام المستعمر بقصف قريتها وتسبب في تشريدها، حتى إنها قطعت المسافات الطوال لتذهب إلى أقاربها في قمم الجبال على المناطق الحدودية؛ ليسجلا بذلك رمزية الإصرار والعناد والتشبث بالأرض من طفلة صغيرة تتطلع إلى مستقبل آمن لبلادها الجزائر. ولا ننسى رمزية صعود الجبل وما له من عزة وأنفة وكبرياء. ومما زاد في تأثير السرد اصطحاب المناظر والمشاهد الحيـّة التي تم تصويرها عن أفعال المستعمر الفرنسي الشنيعة؛ من قصف وتهديم وتخريب".

لقد نجح المخرجان - حسب البروفسور - أيّما نجاح في تداخل الصور؛ فصورة تجسد لك معاناة رحلة هذه الأسرة المشردة ولسان حالها يتكلم في العراء، تأتي بعدها مباشرة صورة أخرى من تصوير وتسجيل حي (من قلب الحدث) لاحتجاجات ومظاهرات وقصف مدفعي وغارات طيران حربي على المدن والمقرات الرسمية؛ قتلى في كل مكان، دخان كثيف، أجساد ممزقة، أشلاء تتطاير، أغراض مبعثرة، لتأتي صورة ثالثة بعدها وقد وصلت الأسرة إلى رأس تلة، وبدأت الأم والابنة "ياسمينة" والابن ينظرون إلى الشمس.

واعتبر الدكتور مشهد وصول الأسرة المشرّدة إلى مسقط رأسها، صورة رمزية أخرى، "تعكس الأصالة والعراقة والتشبث بالجذور، فمهما ابتعد الإنسان عن بيئته يظل محتفظا بجذوره، متمسكا بعاداته وتقاليده، مراعيا صلة الرحم؛ إنها الهوية والمواطنة الجزائرية التي لم ولن يفهمها الفرنسيون".

أما اللوحة الختامية لهذا الفيلم - يضيف الناقد - فـ "يجسّد فيها المخرجان الرائعان صورة للتعاون والتكافل الاجتماعي في أحلك الظروف؛ حيث صوّرا الالتفاف حول الأسرة، وقد شكّل هذا الالتفاف من أهل القرية دائرة، وفي الوسط شكّلت الأسرة المنكوبة المكونة من أم وابنة "ياسمينة" وابن، الرقم صفر، والرقم صفر هو من اكتشاف العرب، وبداية حلّ كل النظريات. الصفر ساعد على فك رموز الأرقام؛ إذن من هذا الصفر (الأسرة المشرّدة التي تجسّد قمة المعاناة) من جراح وآلام وعذابات سوف يبدأ الجزائري، وسوف تنطلق الثورة المدوّيـة، هذا الصفر ركيزة ودعامة لما هو آتٍ، وعلى المستعمر الفرنسي أن يترقبه".

وتوقف الدكتور عند مشهد حمل ياسمينة دجاجة ترافقها في كل مكان، وهو ما لم يعتبره اعتباطا أو تسلية أو لفت انتباه؛ بل قد ترمز هذه الدجاجة إلى الخوف، وقد تكون رفقة الحيوان - أحيانا - أفضل من رفقة الإنسان.

واختتم سفير الثقافة الكويتية بالجزائر تحليله فيلم (ياسمينة)، قائلا إنه ينتمي إلى عائلة الأفلام الوثائقية لكثرة التصوير الحي في الفيلم من "قلب الحدث "، معتبرا أن صنع الأفلام الوثائقية هو الأصعب والأخطر في عالم السينما؛ إذ يتطلب عدة مقومات في مخرجها ومصورها ومعدها. وقد حرصت اللقطات الوثائقية داخل هذه الأفلام على إظهار مدى فظاعة الاستعمار ضد الشعب الجزائري. وساهمت الأفلام في إثارة الرأي العام العالمي، ليقف مع الشعب الجزائري في قضيته العادلة.

وأشار الدكتور إلى وجود أفلام وثائقية عديدة مثل "الجزائر الملتهبة"، "ساقية سيدي يوسف"، "اللاجئون"، "جزائرنا" وغيرها، مما يدل على أن التجربة الجزائرية في مجال كتابة الأعمال الوثائقية تجربة فريدة بحق، تستحق التسجيل والرصد والتحليل، مضيفا أن "الفيلم الوثائقي لا ينفي جانب التأليف الدرامي بما فيه من توظيف للخيال ومؤثرات وتشويق، إنما يوظفه في اتجاه الواقع مع إيجاد طرق تجعل المتلقي ينتقل باهتمام بين حالة التأثر والانتباه الداعي ".

لطيفة داريب