أميرة كعواش تحوّل شح المواد إلى إبداع بصري
الفسيفساء تتألق في قصر الرياس
- 190
آية توازي
شهد قصر الرياس (حصن 23)، أول أمس، ضمن فعاليات برنامج "صيفنا إبداع" ، نشاطاً ثقافياً مميزاً، تَمثل في تنظيم ورشة حية ومفتوحة للجمهور، على فن الفسيفساء، أشرفت عليها الفنانة التشكيلية أميرة كعواش. وجاءت هذه الفعالية لتسليط الضوء على أحد أعرق الفنون البصرية وأساليب إحيائه، بقالب يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وفي تصريح خصت به "المساء"، أوضحت الفنانة أميرة كعواش أنّ لكل مادة أثراً واضحاً ومباشراً على الرسالة الفنية للعمل. وأشارت إلى أن اختيار المواد يتم حسب التوفر؛ نظراً لشح كبير في المواد الزجاجية والجاهزة بالأسواق، وهو ما دفعها إلى التحول نحو اختيار مواد مستمَدة مباشرة من الطبيعة والصخور المحلية لإنجاز أعمالها. وأكدت أن هذا الخيار لا يقلّل أبداً من قيمة العمل، بل يمنحه قيمة فنية أرقى، وأبعاداً تعبيرية أعمق.
وأكدت الفنانة أن جميع المراحل تحمل تحديات دقيقة وصعبة أثناء إنجاز قطع الفسيفساء بدءا من التصميم الأولي، وتحليل الأشكال، مرورا باختيار الأحجار، وتقطيعها بدقة متناهية، ووصولا إلى التثبيت النهائي، والتشطيب. إلا أن تراكم الخبرة الطويلة والممارسة المستمرة مكنها من التحكم الكامل في مختلف هذه المراحل، وإيجاد حلول إبداعية وعديدة لكل مشكلة محتملة قد تواجهها خلال مسار العمل الفني. وأوضحت كعواش أن طبيعة العمل هي التي تحكم في تصميم لوحات الفسيفساء؛ فهناك أعمال تفرض تقييداً مسبقاً بالتصميم، وعدم الحياد عنه، بينما تمنح أعمال أخرى حرية كاملة في الاختيار، والتغيير، بحيث تتطور الأفكار، وتتزاحم الإبداعات الإيجابية كلما تقدم العمل نحو خط النهاية.
وأكدت أميرة أن الغاية الأساسية وراء إبداعاتها الفنية هي إيصال شعور عميق بالراحة النفسية والطمأنينة عند وقوف المتلقي أمام أعمالها، حيث يلمس بوضوح تناغماً منسجماً ومتوازنا في الألوان والمواد الطبيعية، وهو ما يمنحه، بدوره، السكينة والسلام؛ وكأنه يتواصل مباشرة مع الطبيعة.
وأوضحت الفنانة أن الهدف الرئيس وراء هذه الورشة هو التركيز بشكل خاص، على الأطفال والناشئة الذين قد يُكونون منسيّين أو غائبين عن هذا الفن العريق؛ بهدف إثارة فضولهم، وتعريفهم بفنون حجرية من أقدم الفنون ظهوراً على وجه الأرض، وتحبيبهم في البحث عنها داخل المتاحف الجزائرية. وأشارت الفنانة إلى الفارق الجوهري والواضح بين استخدام المواد قديماً وحديثا، حيث كان العمل الفني قديما، يقتصر بشكل أساسي على الحجارة والصخور الطبيعية المستخرجة من الجبال، وعلى القدرات والتطورات اليوم وإمكانية ابتكار وتصنيع ألوان ومواد متعددة ومرنة، تمنح الفناين آفاقا أوسع، وحرية أكبر في التشكيل والتعبير.
وأبرزت أميرة كعواش دور هذه الفعاليات المفتوحة في قصر الرياس، في تشجيع العائلات والزوار على زيارة المعالم التاريخية، وخلق جسور تواصل مستدامة بين المواطن والتراث التشكيلي الأصيل، موضحة أن هذه المبادرات لا تقتصر على الجانب الترفيهي فحسب، بل تمتد لتكون جسرا تربويا وثقافيا يربط الناشئة والأجيال الصاعدة بجذورهم التاريخية والفنية.