الدكتور محمد داود يحاضر في المنتدى الثقافي الجزائري
الطاهر وطار خير مثال للمثقف العضوي
- 1524
لطيفة داريب
استضاف المنتدى الثقافي الجزائري في عدده الأخير، الدكتور محمد داود، الذي قدّم محاضرة تحت عنوان "الطاهر وطار والكتابة الروائية" اعتبر فيها وطار، خير مثال عن المثقف العضوي الملتزم بقضايا الوطن.
قدّم الدكتور عبد الله العشي، رئيس المنتدى الثقافي الجزائري، سيرة مختصرة عن الأستاذ داود، الذي يشتغل بجامعة وهران، وهو رئيس تحرير مجلة "معالم"، اهتم بالرواية كما أصدر مجموعة من البحوث حول المسرح، ومن أعماله الرواية الجزائرية من 1990 إلى الآن، "الكتابة النسوية"، "الرواية الحديثة"، "النص الأدبي، مقاربات متعددة" وأعمال أخرى.
من جهته قال الدكتور محمد داود، إنّ الروائي الطاهر وطار، عايش منذ الخمسينيات من القرن الماضي إلى أن وافته المنية سنة 2010، مختلف المراحل التاريخية والسياسية التي مرّت بها الجزائر وتفاعل معها تفاعلا شديدا. وأضاف أنّ وطار، تبنّى الطرح الاجتماعي للأدب والالتزام بما كان يسمى آنذاك بقضايا الجماهير الشعبية، كما خاض غمار الكتابة الأدبية الحديثة بمختلف أجناسها من قصة قصيرة ونصّ مسرحي، لكن الجنس الروائي هو الذي سيجعله معروفا ويجعل منه أحد المؤسّسين للرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، وتابع أنّه رغم تموقع وطار، داخل الجهاز الحزبي الحاكم إلاّ أنّه ظلّ متميّزا بخطابه الثوري المشاكس للسلطة، ما يجعل منه نموذجا للمثقّف العضوي المستقل بنصوصه الأدبية المتنوّعة.
وتابع المحاضر مجدّدا أنّ وطار أنتج في بداية السبعينيات عديد النصوص الروائية من بينها روايتي "الزلزال" و"اللاز"، الأولى تشيد بالإصلاح الزراعي وتنتقد ما رافق ذلك من تلاعبات وتحايل على مؤسّسات الدولة من قبل بعض مالكي الأراضي الكبرى، وجاءت الرواية الثانية لتكشف عن الصراعات الداخلية للثورة الجزائرية ثم تبعتهما نصوص روائية أخرى.
وأشار داود، إلى أنّ رواية "الزلزال" (1974) تمثّل باكورة أعماله الروائية، إذ يتناول فيها قضية من قضايا البناء الوطني آنذاك وهي الإصلاح الزراعي أو بالأحرى الثورة الزراعية، في حين أنّ مدينة قسنطينة شكّلت مسرحا للأحداث والوقائع، حيث كانت في الأوّل مدينة مقدّسة إلاّ أنّها تحوّلت في السبعينيات إلى مدينة بائسة.
ويرى وطار، كغيره من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين أنّ مرحلة البناء والتشييد كما تمّ الاتفاق على تسميته آنذاك، هي امتداد لثورة التحرير، لكن هذا الحدث الجلل لا يخلو من انحرافات وفتن ومعوقات. فجاءت مجموعته القصصية "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" (سنة 1974)، لتنتقد الأوضاع التي سادت بعد الاستقلال، ثم تأتي رواية "اللاز" في السنة نفسها لتسلّط الضوء على جانب من الجوانب السياسية للثورة التحريرية والخلافات القوية والشديدة التي نشبت بين رفقاء السلاح.
كما منع الجناح المحافظ الذي أخذ بزمام الثورة من بروز المثقفين الذين يملكون رؤية جذرية في تغيير المجتمع والثورة على كلّ مظاهر التخلّف والجمود. وفي هذا السياق شهد "اللاز" إعدام أبيه زيدان فصرخ إثر ذلك بأعلى صوته "ما يبقى في الواد غير حجاره"، وقد أصبحت هذه المقولة ـ المثل شعار كلّ الثوّار آنذاك، فاللاز هنا هو الشخصية ـ الرمز لمعاناة الشعب بأكمله، لكن الرواية لا تعالج هذه الجوانب الخاصة بالثورة فقط، بل تطرح مشكلة أخرى متمثّلة في الغيرية.
وأضاف داود، أنّه إذا كان هذا طرح للغيرية الداخلية أي الغيرية داخل الأنا والصراع بين الوطنيين، فإنّ الرواية تطرح غيرية أخرى وهي غيرية خارجية. فصورة فرنسا التي كانت تلمع مثل المرآة رمز الصفاء والانسجام قد سقطت من علو شاهق أو ارتطمت على صخرة وتكسّرت إلى ألف شظية.
بالمقابل، أكّد الدكتور أنّ رواية "الحوات والقصر" خرجت عن المألوف بحكم أنّ الحوات سعى لنشر الخير في المملكة، وحارب الشر دون منفعة تذكر، فالملك لا يملك ابنة للزواج كما أنّ مملكته صغيرة، ولكن رغم هذا فقد كانت نهايته أن بترت ذراعه وقطع لسانه. وأردف الأستاذ، حسب الملخّص الذي كتبه الأستاذ حسين بوسوفة، أنّ الرواية تندرج ضمن العجائبية وأما السمكة فهي وسيلة للانكشاف، كما أنّها حكاية مضادة، وأما مصير الحوات فهو بمثابة رسالة تخويف وتهديد لكلّ معارض يريد التغيير السياسي. وختم المحاضرة برواية "الشمعة والدهاليز" التي عالجت الأزمة السياسية، وصوّرت البلاد التي دخلت في دهاليز عميقة.
في نهاية مداخلته اعتبر الدكتور، أنّ رحيل الطاهر وطار، هو خسارة للجزائر وللرواية بحكم أنه مثقف متكامل حاول كشف الوقائع ولم يسكت أو يلتزم الحياد.