أحمد منور في "الجاحظية":

الرواية الجزائرية وطنت الوافد وطعمته بالتراث

الرواية الجزائرية وطنت الوافد وطعمته بالتراث
  • 418
آية توازي آية توازي

افتتحت الجمعية الثقافية "الجاحظية"، أول أمس، موسمها الثقافي الجديد (2026–2027) بتنظيم أمسية أدبية استثنائية، احتفاءً باليوم الوطني للهجرة، المخلِد لأحداث 17 أكتوبر 1961، حيث حل الكاتب والمترجم والروائي الجزائري المقيم بكندا، البروفيسور أحمد منور، ضيفًا شرفيًا على اللقاء، الذي أدار جلساته ونشطه البروفيسور أحسن ثليلاني، وسط حضور نخبة من المثقفين والأدباء.

شكلت الجلسة فرصة لاستحضار نضالات المهاجرين الجزائريين، وتضحياتهم التاريخية في سبيل تحرير الوطن، إذ أجمع الحاضرون على أن ذكرى 17 أكتوبر، تمثل محطة نضالية كبرى، تتجاوز البعد السياسي، لتلقي بظلالها على المشهد الإبداعي والأدبي في المهجر. وفي هذا السياق، استعرض المتحدثون تنوع نتاج الأستاذ أحمد منور الإبداعي، الذي يتوزع على الرواية والترجمة والقصة القصيرة وأدب الفتيان، مؤكدين الدور الجوهري للثقافة الجزائرية في الخارج.

من هذا المنطلق، ناقش المحاضر التحديات والإشكاليات المرتبطة بنشر أعمال أدب الهجرة وتوزيعها، وما يواجهه الكتاب من صعوبات لوجستية ومؤسساتية على الصعيدين المحلي والدولي. واعتبر أن الرواية جنس أدبي وافد من الغرب، استطاع الكاتب الجزائري توطينه وتطعيمه بأبعاد إنسانية واجتماعية عميقة، استلهم بعضها من التراث العربي وقراءات أمهات الكتب التي تجود الصنعة السردية. وأوضح منور، في السياق نفسه، مفهوم الخيال العلمي وكيفية توظيفه في النص الروائي، وجرى التطرق إلى تجربته وروايته المتوجة بجائزة "البحيرة العظمى"، التي اعتمد فيها تقنية السفر عبر الزمن بطريقة معاكسة.

في إطار متصل، أجرى المشاركون في النقاش مقارنات بين أعمال الكاتب وأبرز كلاسيكيات أدب الخيال العلمي العالمي، مثل "آلة الزمن" و«ليل الأصول". واستعرض الحضور عوالم تجاربه الروائية، التي تتنقل بسلاسة بين محطات دولية متعددة، تشمل باريس وجزر القمر وكندا والجزائر، إضافة إلى محطات محلية عريقة، مثل جيجل وتلمسان وقسنطينة. وتعليقًا على ذلك، أكد الكاتب أن هذا الثراء في المواضيع، والانتقال السلس عبر مختلف الأزمنة والأمكنة، يمثلان ركيزة أساسية تغني مسيرته الأدبية، وتمنحها أبعادًا متجددة. من جانب آخر، أكد البروفيسور الذي يزخر رصيده بـ22 كتابًا، تضم مؤلفات ضخمة بلغت 600 صفحة، أن العمل الروائي يتطلب منهجية محكمة وتأربًا وتخطيطًا قبل الشروع في صياغة النص، مشيرًا إلى أن رواياته السابقة كانت بمثابة "الأستاذ والموجه" له في مسيرته.

في تعقيبه على شهادة البروفيسور أحسن ثليلاني، الذي أشاد بسلامة لغته العربية وتمكنه السردي الدقيق، أوضح منور أن ملكته اللغوية تشكلت عصاميًا ومبكرًا، عبر قراءة العديد من الكتب والتراث العربي الأصيل. وفي مقارنة نقدية بين الأدبين العربي والعالمي، أشار منور إلى أن أدباء عالميين، مثل تولستوي ودوستويفسكي وإميل ميشال، تركوا بصمات إنسانية عميقة لأنهم طرحوا الأسئلة الكبرى حول الوجود والإنسان، في حين يغلب على المنتج الأدبي العربي الطابع الاجتماعي والسياسي النسبي، وقلما نجد فيه الأسئلة الكبرى العميقة المتعلقة بالإنسان، مقارنةً بما يُكتب باللغات الأخرى.

في ختام الجلسة، كشف الكاتب أحمد منور عن تفاصيل إصدار روايته الجديدة "وحدها الجبال لا تلتقي"، معلنًا أنه لا يمكن نشرها داخل الجزائر. ويعود هذا القرار إلى واقع النشر المحلي وما يعانيه الكاتب من عقبات تتعلق بضعف الإقبال وغياب شبكات التوزيع الفعالة، والآليات المؤسساتية للتسويق والترويج، وهو ما يدفع العديد من القامات الأدبية إلى الهجرة بنصوصها نحو دور نشر خارجية، لضمان وصولها إلى القارئ العربي والدولي، في إطار "أدب المهجر". ودعا المشاركون في الأمسية، إلى ضرورة إرساء قيم التقدير والاحتفاء بالرواد والكفاءات الوطنية، وتجاوز أخطاء الماضي، عبر إيجاد منهجيات جديدة تُقدَم للجيل الصاعد، مع العمل على تأسيس جوائز أدبية كبرى وآليات تسويق تعيد للكتاب قدره وللمشهد الثقافي بريقه.