الكاتب المسرحي إسماعيل سوفيت لـ"المساء":
الذكاء الاصطناعي أداة صمّاء لا تعوِّض صدق الخشبة
- 146
سميرة عوام
كشف الكاتب والسيناريست والمعالج الدرامي إسماعيل سوفيت، على هامش فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بعنابة، في حوار خصّ به "المساء"، عن رؤيته العميقة لواقع الكتابة الركحية، ومستقبلها، واضعًا إيَّانا أمام معادلة دقيقة تجمع بين أصالة الصنعة المسرحية ورهانات العصر التكنولوجي. وأبرز أهمية الإتقان في صياغة الفكرة الدرامية، وتجسيدها بصدق فوق الخشبة؛ لترقية المجتمع، وإثراء الساحة الثقافية بأعمال هادفة، تترك أثرًا بالغًا في نفوس المتلقين بمختلف شرائحهم واهتماماتهم الفكرية.
يؤكّد سوفيت بوضوح أنّ صناعة النصّ المسرحي تتجاوز بكثير، سرد الحكايات البسيطة، أو النقل العابر للأحداث اليومية؛ فهي تتطلّب معالجة درامية واعية ومدروسة، تعتمد على العمق الفكري، وبناء قصص متكاملة الأركان. فالكاتب الرصين هو من يمنح نصه أبعاده الفنية العميقة بخلق شخصيات نابضة بالحياة، هي المحرّك الأساسي للأحداث، ومنبع الصراعات النفسية والاجتماعية المتشابكة، التي تشدّ انتباه الجمهور. وكلّ قصة تُطرح على الخشبة يجب أن تحمل في طياتها، عبرة بليغة، وقيمة إنسانية عميقة، تخاطب وجدان المتفرّج، وترتقي بتفكيره نحو آفاق أوسع. ولا ينبع هذا التميّز الإبداعي من المواضيع الاستهلاكية المكرّرة، بل من قدرة المؤلّف الحقيقي على صياغة رؤية استثنائية، وبصمة خاصة، تعكس وعيه العميق بملابسات الواقع، وقضاياه اليومية المعقّدة.
بين استثمار التقنية وحماية الجوهر الإبداعي
كما تطرّق الكاتب لإشكالية اقتحام الذكاء الاصطناعي عالم الإنتاج الفني، مقدّمًا رؤية موزونة تأخذ في الاعتبار أهمية الاجتهاد الفردي، وموهبة الفنان والكاتب المبدع؛ فهو يرى أنّ هذه التقنيات الحديثة تظلّ مجرّد أدوات صمّاء، تعجز تمامًا عن التعبير الصادق عن وجهة النظر الإنسانية الفريدة، وتفتقر إلى اللمسة الروحية والفلسفية العميقة التي يغرسها المبدع الحقيقي في كلّ سطر وجملة حوارية. ومع ذلك لا يرفض سوفيت الاستفادة من هذه التكنولوجيا، عاملًا مساعدًا لربح الوقت والجهد في الجوانب التنظيمية والتقنية البحتة، شريطة ألا يُستبدل بالآلة إبداع المسرحي أو الكاتب، وألا يقع في فخ سرقة النصوص الجاهزة، أو الإخلال بأمانة النشر والتأليف الأدبي التي تمثل روح الفن، وكيانه.
من ورشات التأطير إلى ركح الواقع
ولم يغفل المتحدّث البعد التنموي والمؤسساتي الهام للمسرح، حيث توقّف مطولًا عند مبادرة "منتدى حاملات المشاريع"، معتبرًا إياها فرصة ثمينة للنساء الطامحات إلى ترك بصمتهن الفنية في مجالات الإخراج، والسينوغرافيا وتصميم العروض. غير أنّ هذا الطموح بحاجة ماسّة إلى استراتيجية عملية حاسمة تكتمل بها حلقة النجاح الفني، تتمثّل في تحويل التكوين النظري إلى ثمار ملموسة، عبر إنتاج الأعمال الناجحة، وعرضها على الجمهور العريض، لتتحول الأفكار الإبداعية إلى طاقات حية تثري المشهد المسرحي الوطني، وتعزز مكانته في المجتمع، وعليه يبقى المسرح، حسب سوفيت، فنًّا حيًّا يعتمد على صدق المشاعر الإنسانية. ولن تتمكن أي تكنولوجيا حديثة من إلغاء روح الإبداع البشري، وتأثير التمثيل المباشر.
ليلة نسوية
على حجارة هيبون
احتضن موقع "هيبون" الأثري بعنابة، أمسية ثقافية ساحرة، امتزج فيها ألق المسرح بسحر التاريخ، ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي. وأضفت نسائم الليل العنابي العليل، جوًا شاعريًا بديعًا، مع توافد غفير لعشاق الفن الرابع، الذين جاؤوا ليعيشوا تجربة مسرحية، تتداخل فيها الرؤى العصرية مع عبق الحضارة.
اعتلت الركح الفنانة صبرينة قريشي، لتقدم عرضًا متميزًا من نوع "ون مان شو"، بعنوان "زهية". واستطاعت بحضورها القوي وحركاتها المدروسة، أن تأسر القلوب وتنتزع الضحكات، وهي ترسم ملامح حكاية فتاة نشأت وسط عائلة، تضم ستة إخوة ذكور، فوجدت نفسها ترعاهم حتى أنهكتها المسؤولية. وعندما طالبت والدتها بتزويجها، جاءها الرد حاسمًا "يتزوج إخوتك أولًا، ثم يأتي دورك". فانتظرت بصبر وذكاء حتى تزوج جميع إخوتها، لتخوض تجربتها الخاصة، مؤكدة في قالب كوميدي طريف، أن أقصر طريق إلى قلب الرجل يمر حتمًا عبر معدته. وتواصلت طاقة الإبداع مع العرض الشيق "صليحة ماجور"، الذي أبدعت في تقديمه الفنانة صليحة زهدة، ليشكل مع عرض "زهية"، لوحة ثنائية فريدة، جمعت بين العمق والفرجة المسرحية الراقية.
ولأن المسرح لا يكتمل إلا بالنغم، أمتعت فرقة "البنقة" الموسيقية، بقيادة الفنان قدور عزارنية، الحضور بوصلات إيقاعية أصيلة، ألهبت حماس الجماهير وأضفت روحًا تراثية بهيجة على الاحتفالية. وجرى كل هذا، بإدارة الإعلامية شهرزاد وتنشيطها، التي نسجت بكلماتها خيوط سهرة استثنائية، أثبتت أن المرأة المسرحية الجزائرية، قادرة على تحويل الأحجار التاريخية الصامتة إلى منصات تنبض بالحياة والفن والجمال.
الدكتورة وسيلة كناي:
الآلة تخدم الرؤية ولا تعوض الروح
قدمت الدكتورة وسيلة كناي، الأستاذة المحاضرة بالمعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ببرج الكيفان، ماستر كلاس استثنائيًا بعنوان "المسرح والذكاء الاصطناعي". وجاءت هذه الورقة العلمية والفنية القيمة، ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، لتستعرض الباحثة من خلالها، العلاقة الشائكة والواعدة بين التقنيات الرقمية الحديثة وأبي الفنون.
وقدمت المحاضرة، تحليلًا عميقًا لكيفية استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة العمل المسرحي، بدءًا من صياغة النصوص وتطوير الحلول السينوغرافية، وصولًا إلى التصميم الصوتي والتأثيرات البصرية المعقدة. وأكدت كناي أن هذا التطور التكنولوجي يمثل رافدًا مجدِدًا للفن الرابع، يفتح آفاقًا غير محدودة أمام المبدعين، لتطوير أدواتهم والارتقاء بفرجتهم المسرحية، لا سيما حاملات المشاريع المسرحية الشابات، اللائي يبحثن عن لغة بصرية معاصرة.
وشددت كناي خلال طرحها التنويري، على ضرورة وضع حدود فاصلة بين الوسيلة والغاية، مؤكدة أنه مهما بلغت قدرة الذكاء الاصطناعي على الابتكار والتأثيث التقني، فإن روح الإبداع الإنساني واللمسة الوجدانية الحية، يجب أن تظلا المحرك الأساسي فوق الركح. وأوضحت أن الخشبة تموت، إذا فقدت نبض الممثل وعاطفته الصادقة، فالآلة تخدم الرؤية الفنية، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا للعاطفة الشاعرية والشرارة الإنسانية، التي تخلق التفاعل الحي مع الجمهور.