قراءة في تجربة الكاتب السعودي غازي القصيبي
الدكتورة العمري تستعرض تحوّلات الموروث الشعبي
- 244
دليلة مالك
سلّطت الدكتورة منال العمري الضوء على العلاقة بين الحكاية الشعبية والرواية العربية الحديثة، أوّل أمس، بقاعة " آسيا جبار " من خلال قراءة نقدية لرواية " الجنيّة " للكاتب السعودي غازي القصيبي، مستعرضة الكيفية التي انتقل بها الموروث الحكائي من الذاكرة الشفوية إلى البناء الروائي، والتحوّلات التي طرأت على شخصياته، ووظائفه ودلالاته، في ندوة احتضنها صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين.
تندرج هذه المداخلة ضمن سلسلة اللقاءات الفكرية والأدبية التي ينظّمها الصالون في إطار البرنامج الثقافي المصاحب لمشاركة المملكة العربية السعودية ضيف شرف، تحت عنوان " الحكاية التي لا تشيخ " ؛ حيث تناولت العمري الحكايات الشعبية بوصفها مستودعاً للذاكرة الجماعية، ورافدا أساسيا من روافد الإبداع الأدبي، لما تختزنه من تصوّرات المجتمع، ومخاوفه، وقيمه، وأنماط تفكيره.
واستهلت الباحثة مداخلتها بالتأكيد على أنّ الحكايات الشعبية لا تقتصر على كونها قصصاً قديمة ارتبطت بمجالس السمر وروايات الجدات ومخيّلة الأطفال، بل تمثّل شكلاً عميقاً من أشكال التعبير الإنساني عن العلاقة بالعالم، وما يتّصل بها من تصوّرات الخير والشر، والمألوف والغريب، والمرئي والخفي. وأوضحت أنّ الحكايات المتعلّقة بالجن والكائنات الخارقة تحظى بمكانة خاصة في الموروث الشعبي، باعتبارها مساحة تتداخل فيها مشاعر الخوف والدهشة والتصديق والتخييل؛ إذ تحوّل المجهول المحيط بالإنسان إلى شخصيات وأحداث قابلة للرواية والتداول عبر الأجيال.
وفي سياق استعراضها خصوصية الحكاية الشعبية السعودية، توقّفت العمري عند جهود الباحث والأديب عبد الكريم الجهيمان في جمع التراث الشفوي وتوثيقه، مشيرة إلى كتابه " أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية " الذي صدر في خمسة أجزاء، وضمّ عشرات الحكايات والتصنيفات المرتبطة بالموروث الشعبي. كما تناولت التمييز الذي اعتمده الجهيمان بين "السالفة" و"السبحونة"، موضّحة أنّ الأولى تحيل على الأخبار والحكايات المرتبطة بالماضي، بينما تتّصل الثانية بالحكايات الخرافية التي تتناول الجن والعفاريت والسحر والعوالم الخارقة.
وأكّدت أنّ هذه الحكايات أدّت وظائف اجتماعية وثقافية متعدّدة، تجاوزت التسلية وقضاء الوقت، لتشمل نقل الخبرات، وترسيخ القيم، والتعبير عن المخاوف الجماعية، وتفسير الظواهر الغامضة، فضلاً عن تحديد السلوكيات التي تقبلها الجماعة أو ترفضها، من خلال ثنائيات الخير والشر، والثواب والعقاب.
وفي محور آخر، شدّدت الباحثة على ضرورة التمييز بين المعتقد الشعبي والحكاية الشعبية، موضّحة أنّ المعتقد يمثّل مجموعة التصوّرات والأفكار التي تتبناها الجماعة، بينما تشكّل الحكاية بناءً سرديا يمكن أن يستثمر تلك التصوّرات ويعيد تشكيلها، دون أن يعني ذلك بالضرورة إيمان الراوي أو المتلقي بوقوع أحداثها.
وانطلاقاً من هذا التمييز انتقلت العمري إلى تحليل رواية "الجنيّة" لغازي القصيبي، مبّينة أنّ الكاتب لم يستدعِ الموروث الشعبي لمجرد استحضار عناصر تراثية أو توظيفها في سياق زخرفي، وإنّما أعاد تنظيم العلاقة بين الإنسان والكائن الخارق، ومنح الشخصيات والحكايات الشعبية وظائف جديدة داخل البناء الروائي. وأبرزت أنّ الرواية تبدأ باستعادة البطل ضاري منذ طفولته، الحكايات التي عرفها عن الجن، مستحضرة أسماء ارتبطت بالمخيال الشعبي السعودي؛ مثل "أم السعف والليف" ، و"أم حمار" ، و"أبو دريا".
غير أنّ هذه الشخصيات لا تبقى مجرّد عناصر مرتبطة بذاكرة الطفولة ومخاوفها، بل تتحوّل لاحقاً إلى موضوع للبحث والتحليل، خصوصاً مع انتقال البطل إلى موقع الباحث الأنثروبولوجي قبل أن يجد نفسه أمام تجربة مباشرة، تعيد مساءلة يقينه المعرفي. كما توقّفت عند شخصية "قنديْش بن قنديْشة" التي تستثمر مرجعية "عيشة قنديْشة" المعروفة في المخيال الشعبي الجزائري، مشيرة إلى أنّ القصيبي لم يكتفِ باستعارة الاسم، بل جعله مدخلاً لإعادة تفسير التصورات الشعبية المتعلّقة بعالم الجن، وأسماء كائناته، وطبيعة علاقاتها بالبشر.
ومن أبرز التحوّلات التي رصدتها العمري انتقال الشخصية الجنّية من نموذج غامض يثير الخوف، إلى شخصية ذات هوية، وصوت مستقل، وقدرة على الحوار وتقديم المعرفة؛ بل إنّ الرواية تعيد توزيع سلطة الحكي؛ إذ لا يعود الإنسان وحده راوياً لأخبار الجن، وإنّما يصبح الكائن الجنّي نفسه طرفاً في رواية أخبار عالمه، وتصحيح ما يتداوله البشر عنه.
وأشارت إلى أنّ القصيبي يوظّف السخرية والمفارقة لإبراز تناقضات العلاقات الإنسانية، حيث يتحوّل الجنّي من كائن يُفترض أن يكون موضوعاً للخوف، إلى طرف يناقش العالم البشري، وينتقد بعض تصرّفاته وتصوّراته، فيغدو العالم الخارق مرآة تكشف جوانب من الواقع الإنساني. وأضافت أنّ الرواية تجمع بين الحكاية الشعبية والخطابات المعرفية والتاريخية والفقهية والأنثروبولوجية، مستفيدة من المراجع والأخبار التراثية المتعلّقة بعلاقة الإنس بالجن، بما يمنح العالم المتخيّل اتّساقاً داخلياً دون تحويل أحداثه إلى وقائع مثبتة خارج النصّ.
وخلصت الباحثة إلى أنّ رواية "الجنيّة" لا تعيد إنتاج الحكاية الشعبية بصيغتها القديمة، بل تستثمرها مادة إبداعية قابلة للتحويل والتأويل، مؤكّدة أنّ الموروث الشفوي لا يفقد حضوره بانتهاء مجالس روايته، وإنّما يظلّ قادراً على الانتقال بين الأجيال والأجناس الأدبية، واكتساب دلالات فنية وفكرية جديدة. وختمت العمري مداخلتها بالتأكيد على أنّ الرواية الحديثة لا تمثّل قطيعة مع الحكاية الشعبية، بل امتداداً إبداعياً لها، يعيد تشكيل ذاكرتها ويمنحها حياة جديدة، لتظلّ حكايات الأجداد حاضرة في الأدب المعاصر، قادرة على مساءلة الإنسان، وقضاياه، وأسئلته المتجددة.