"الاجتهاد" تقرأ "بلادي بلادي" لوهيبة منسوس صادمي
"الحرقة".. وقفة للتأمّل واستشراف المستقبل
- 148
مريم. ن
استقبل الموعد الأدبي بمكتبة "الاجتهاد"، أوّل أمس، الكاتبة وهيبة منسوس صادمي، لتقديم روايتها "بلادي بلادي" التي تقف عند ظاهرة الهجرة، مقدّمة نماذج من شباب مغامر سلك هذا الطريق؛ أملا في مستقبل أفضل، لكنّه في بعض الأحوال يصطدم بواقع مرّ، ويعاني من قسوة الغربة التي تحرمه من دفء العائلة، والوطن الأم.
جاءت الكاتبة والشاعرة وهيبة منسوس من منطقة عزازقة بتيزي وزو، حاملة معها إبداعها المشبّع بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، وبتجربتها في الحياة كزوجة، وأم، وأستاذة درّست أجيالا. وقدّمت الكاتبة روايتها "بلادي بلادي" الصادرة عن دار "تالسة" للنشر. وهي عمل مكلَّل بالأحاسيس المؤثّرة كباقي رواياتها. وتنقل القارئ بهدوء من منطقتها بجبال جرجرة، سريعا، إلى الصحراء بجنوبنا الشاسع، وبالضبط إلى قرية نغوسة بورقلة.
علي يشقّ طريق المجهول
تختار الكاتبة شخصية علي، وهو شاب من نغوسة، يعيش في أسرة متواضعة، لم يكمل تعليمه، وأصابه الإحباط من الضغط الأسري، ومن قلة الفرص المتاحة له في حياة أفضل، لكنّه بقي يحلم ويبحث عن الأفضل. يخوض تجربة الهجرة السرية مع صديقه مصطفى (صاحب الفكرة). بعدما هجر بستان النخيل، ليقطع المتوسّط؛ أملا في الوصول إلى أرض الأحلام؛ أوروبا، فيترك وراءه أسرته وحبيبته كايلا التي يحملها في مخيّلته، لتهون عليه ليالي الغربة القاسية، بينما هي (كايلا) تفتتح ورشتها الخاصة، وتتراجع عن فكرة الهجرة.
وتُبرز الكاتبة تعقيدات الحياة اليومية، بينما تستكشف تطلعات شخصياتها، المنحدرة من خلفيات اجتماعية واقتصادية صعبة. وتفصل الكاتبة في يوميات هؤلاء الحراقة سواء قبل أو بعد الهجرة، مع وقفة عند أفكارهم، وعلاقتهم بوطنهم ومجتمعهم. ورغم صعوبة ما عاشوه لكنّهم يظلّون يحملون الوطن والأهل في الوجدان، وبالتالي يحافظون على قيم ومعان تظلّ في القلب. وهذا الارتباط الدائم بالوطن الأم هو ما ينمي الانتماء، ويمنع الذوبان الكلي في الآخر.
كما يظلّ البحث عن السعادة والتفوّق قائما رغم خيبات الأمل. وقالت الكاتبة خلال هذا اللقاء الأدبي إنّها حرصت في روايتها على تقديم تلك العلاقة الحميمة بين الإنسان وأرضه، وحرصها على فتح ملف الهجرة السرية في بُعدها الإنساني، علما أنّ هذه الظاهرة مسّت كلّ العالم، وهي حدث الساعة، مؤكّدة، أيضا في سياق حديثها، أنّها اختارت الجنوب كفضاء لروايتها، لتبيّن أنّ اهتمامات ومشاكل الشباب وتطلّعاتهم هي نفسها في الجنوب كما في الشمال. وتضيف المتحدّثة: "الشباب يحملون نفس الأفكار لكنّهم يصطدمون بواقع مرّ في هذه الرحلة؛ فهم يتألمون في خوف عندما يعبرون البحر الهائج بأمواجه العاتية.
وإذا ما نجوا منه قد يتعرّضون لاعتقالات ومضايقات من حرس الشواطئ وغيرها. وتعمّدت أن أفتح حوارا بين مجموعة من الشباب الحراق وهم على قارب الموت، كلّ واحد فيهم يحكي تجربته، والظروف التي أدت به للهجرة، وجعلته يحلم بجنّة الغير". وأشارت الكاتبة إلى أنّها تعمّدت في روايتها عدم الحديث عن الطلبة مثلا، الذين غادروا من أجل العلم، أو التكوين، واكتساب خبرة، مقتصرة على نماذج من الحراقة الذين لا مؤهلات لديهم.
رصد الجانب المظلم من الهجرة
خلال المناقشة قالت الكاتبة إنّها ليست ضدّ الهجرة إذا كانت من أجل الأفضل، وفي ظروف سانحة، مؤكّدة أنّ أبناءها هاجروا رغم مستوياتهم العلمية الراقية ووظائفهم؛ من أجل حياة وتجربة أخرى، وأنّ هناك مهاجرين ذهبوا ونجحوا، وعادوا بإمكانيات وخبرات جديدة. لكنّها في عملها رصدت الجانب المظلم من هذه الظاهرة.
وتبقى الرواية بكلّ مصائر شخوصها بين الأمل والخيبة والعبور، وقفة للتأمل في الراهن والمستقبل.