"دور المرشد في ترويج وتثمين التراث المادي وغير المادي" بقصر "مصطفى باشا"
التكوين والكفاءة معياران لمواجهة المتطفلين
- 188
مريم. ن
استقبل المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، في قصر "مصطفى باشا" بالقصبة، أول أمس، الباحث سليم صابور، مرشد سياحي معتمَد وأستاذ تاريخ الفن، لتقديم محاضرة بعنوان "دور المرشد في ترويج وتثمين التراث المادي وغير المادي"، تزامنا مع اليوم العالمي للسياحة، المصادف لـ27 سبتمبر من كل سنة.
جاء اللقاء، بمبادرة من المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، وقد أسهب المحاضر في التعريف بدور المرشد السياحي، الذي وصفه بالسفير الذي على عاتقه، تثمين تراث وتاريخ بلده وتقديمه للآخر، من خلال تمكنه وإلمامه بالمعارف والبيداغوجية وطريقة الإلقاء والحضور، وغيرها من المقاييس التي رآها غائبة اليوم، عند من يتطفلون على هذا المجال، فيُشوِهون بالتالي تاريخنا، ولا يرون من هذه المهمة سوى جانبها الربحي الضيق.
مهنية مستمدة من التكوين والتجربة الميدانية
تميزت محاضرة الأستاذ صابور، بالمهنية والواقعية اللتين استمدهما من تجربته الميدانية الحية، علما أن أسلوبه الساخر وخفة ظله، زادا اللقاء حميمية، حيث ذكر في بداية حديثه، أن الوفود التي تشكل مجموعات السياح، تضم في الكثير من الأحيان النخبة، منهم أساتذة جامعيون وأطباء ومهندسون ومؤرخون وطلبة وغيرهم، بالتالي فإن أي خطأ من المرشد ليس مقبولا، لذلك على هذا الأخير الالتزام بالبحث والتحضير، كي لا يكون محل سخرية واستهزاء. وهنا ذكر أنه، في إحدى المرات، رافق مجموعة سياح أجانب إلى متحف "الباردو" بالعاصمة، وقام بإعطاء معلومات عن رسام مستشرق (فيرنيه)، لينطق أحد أعضاء الوفد بكل تواضع قائلا "إنه جدي"، بمعنى أن أي خطأ عن هذا الفنان سيكتشفه حفيده الذي كان ضمن الوفد.
ومن الميزات التي ذكرها الأستاذ صابور، ويجب على المرشد الالتزام بها؛ الحياد، إذ لا ينبغي له أن يحمل رمزًا ما، أو أن يلبس قميص فريق رياضي ما (كما هو الحال عندنا، خاصة في القصبة)، فالمرشد عليه أن يكون بسيطًا ومتواضعًا في هيئته، وثريًا في معلوماته.
السياحة التراثية مرتبطة بالمواسم
قال المحاضر أيضا، إن السياحة التراثية عندنا مرتبطة بالمواسم، بينما يجب أن تكون طيلة السنة، ويجب أيضًا - يضيف - أن تشمل مختلف المناطق والجهات، فالجزائر غنية بالتاريخ، ومنه التاريخ الروماني الذي ينتشر خاصة بالشرق الجزائري، ويجب استغلاله وتوفير المرشدين، كي لا يُسرَق من دول مجاورة، كأن يُقال مثلاً، إن أوغسطين ابن سوق أهراس، ليس جزائريا، وكذلك الخلط أحيانا بين المواقع السياحية، فمثلا بالعاصمة، يُعرَف متحف الفنون الجميلة على أنه المدرسة العليا للفنون الجميلة، وهكذا.
وعن السائح الذي يأتي لاكتشاف الجزائر، قال المحاضر إنه يتطلب خدمات معينة، لا بد من توفيرها في المناطق الأثرية، مثمنًا بالمناسبة، تجربة منطقة ميزاب بغرداية، ذات الإقبال السياحي العالي، حيث تكيفوا مع هذه الخدمات ووفروها، منها إدخال بعض التعديلات على المباني والغرف القديمة، بتوفير حمامات مثلا.
استعرض المحاضر بعضا من تجاربه مع الوفود، وكيف يعمل على استحضار التاريخ والذاكرة في كل مكان، كحي "بلكور" العتيق ودوره في تاريخ الحركة الوطنية، ثم في حرب التحرير، مع وقفات عند المناضل محمد بلوزداد، ثم مع العمران في الحي، من ذلك أقواس الشارع الرئيسي، لينتقل في حديثه إلى زياراته لكاتدرائية وهران مثلا، التي بناها ألبير بالو، الذي أسس قبلها مدرسة قسنطينة وغيرها، وتميزه بالمباني التي تحتها محلات ونشاط تجاري، وكل ذلك يُذكَر للسياح. وهنا قال "كاتدرائية وهران مبنية في اتجاه الجنوب، وحُوِلت إلى مسجد الرحمن، وقد يسأل أحدهم عن اتجاه القبلة الذي لا يتماشى وهندسة المبنى، بالتالي يأتي دور المرشد في توضيح ذلك، من خلال المعلومات التاريخية".
المرشد..أخلاق وكفاءة
من الشروط التي يجب أن تتوفر في المرشد أيضا، حسن الخلق، والتكوين البيداغوجي، والهيئة المقبولة، والحيوية في التنشيط، بعيدا عن الخطابة وعن المعلومات الأكاديمية الجافة والمملة، مع حرصه على تقديم صورة مشرِفة للبلاد، ولتاريخها الوطني.
وعن حال المرشدين اليوم، قال المحاضر إن الفوضى تميزه، إذ أصبح المرشد يتحدث بلهجة سوقية، ويظهر بشكل بشع (فأحيانا يحمل قفة تحت إبطه، أو يلبس طربوشا معوجا، ويمارسون الكذب)، وقد يعطي معلومات خاطئة، علمًا أن بعض أعضاء الوفود يحملون هواتفهم الذكية، للتأكد من المعلومات، ثم يُفحمون المرشد ويواجهونه بالحقائق.
وعن تجربته الميدانية، قال إن مهمته مع السياح الأجانب تبدأ من المطار، ففي الطريق يقوم بالتعريف بالجزائر، مبديًا فخره بذلك، ثم يُقحمهم في يوميات الجزائريين ليتعرفوا أكثر عليهم، وهو الأمر الذي يجلبهم، كما على المرشد أن يوفر أجواءً حميمية مع السياح، تميزها روح الدعابة والبساطة، مع الالتزام دوما بتجنب الكذب في الحديث عن التاريخ، بحجة "الوطنية الزائفة"، تناول المحاضر أيضا، دور المرشد في المساهمة في تنشيط الحركية الاقتصادية، خاصة في السياحة الجوارية، حين يستفيد المحيط التجاري من هؤلاء السياح.
للإشارة، فإن المحاضر سليم صابور مرشد سياحي معتمَد، يمارس المهنة منذ عام 2000، متخصص في المتاحف والمواقع التاريخية والأثرية، ويقوم بتصميم برامج ومسارات سياحية ورحلات ميدانية.