التراث المادي.. ستة ملفات على القائمة التمثيلية لـ"اليونسكو"
الجامعي والخبير توفيق حموم
  • القراءات: 298
ق. ث ق. ث

الجامعي والخبير توفيق حموم:

التراث المادي.. ستة ملفات على القائمة التمثيلية لـ"اليونسكو"

ستة ملفات في التراث المادي لممتلكات ثقافية جزائرية، من مواقع صحراوية (واحات) وحضرية، ومسارات موضوعاتية، وكذا معالم جنائزية قديمة، هي حاليا في القائمة الإرشادية المؤقتة لمواقع التراث العالمي لـ"اليونسكو"، تنتظر اقتراحها للتصنيف في التراث العالمي للإنسانية. تندرج ضمن هذه الملفات "الواحات ذات الفقارة وقصور العرق الغربي الكبير" و"مواقع، أماكن ومسارات أوغسطينية في بلاد المغرب الأوسط" و"ندرومة وترارة" و"واد سوف و"الأضرحة الملكية النوميدية والموريتانية والمعالم الجنائزية التي تعود لما قبل الإسلام، بالإضافة إلى "حظيرة الأوراس"، بما تضمه من مناطق تواجد بشري، كالواحات وشرفات الغوفي والقنطرة، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية عام 1972، حسب ما أوضحه الجامعي والخبير توفيق حموم. ووفقا لهذا الخبير في التراث الثقافي في مركز التراث العالمي لـ"اليونسكو وفي "الإسيسكو"، فإن هذه الملفات تم تسجيلها في 2002، ومن بين ما تضمه؛ ضريح إيمدغاسن (باتنة) والضريح الملكي (تيبازة) وضريح بني رنان (عين تيموشنت) والأجدار (تيارت) وضريح تينهنان (تمنراست).

التزام الدولة بإعداد ملفات الترشيح

هذا التصنيف في القائمة الإرشادية المؤقتة يعني، حسب الخبير، "التزام الدولة الطرف المعني بإعداد ملفات الترشيح بهدف تصنيفها في قائمة التراث العالمي، حيث يجب دعم هذه الملفات من خلال تحديد جميع المعايير الخاصة بالقيم الاستثنائية العالمية لهذه الممتلكات المقترحة، ومن خلال أيضا تطبيق الإجراءات التصحيحية التي أوصت بها لجنة التراث العالمي، بعد تقييم حالة الممتلكات. وبمجرد إدراجه في قائمة التراث العالمي، فإن الممتلك سيتغير وضعه، ليصبح تراثا عالميا للإنسانية، وسيتمتع بمتابعة من أجل حفظه وتسييره وحمايته، من خلال جميع الآليات القانونية لليونسكو"، يقول حموم الذي يوضح بأن هذا الوضع يعني أيضا "تقديم مساهمات مالية وخبرة دولية، من أجل عمليات الاستعجالية متعلقة بالممتلك"، إذا لزم الأمر.

وبسؤاله عن حالة حفظ المعالم المعنية، اعتبر الخبير أنها عرفت "تدهورا متسارعا خلال هذا القرن، بسبب عوامل مختلفة، أولا طبيعية كالزلازل والتغير المناخي، وثانيا متعلقة بالإنسان، كالتوسع العمراني ومشاريع التهيئة"، وحسب قوله، فإن إقامة تحديث للمحتويات في ضوء الاكتشافات والدراسات الحديثة، يعد أيضا "ضروريا" من أجل دعم ملف الترشيح للتراث العالمي بشكل أفضل، معربا عن أسفه لعدم وجود متابعة سريعة لهذه الملفات. لدى إشارته لملفات ممتلكات ثقافية مماثلة فوق التراب التونسي، يوصي الأكاديمي باستئناف هذه الملفات بطريقة عاجلة، واعتماد "نهج التصنيف المشترك"، حيث أن "اليونسكو" حاليا تفضل "المبادرات المشتركة الهادفة لتثمين تراث متشارك فيه".

التراث يشكل "أساس الاقتصاد الثقافي"

اعتبر المتحدث، وهو أيضا أكاديمي بمعهد علم الآثار، أن التراث يشكل "أساس الاقتصاد الثقافي في جميع أبعاده، وبديلا حقيقيا للتنمية"، مضيفا أن التصنيف في قائمة التراث العالمي هو أصلا حماية في حد ذاته"، من خلال تفعيل "الحماية القانونية الوطنية والدولية". وفي رده على سؤال حول الإضافة الأهم التي يمكن أن يقدمها التصنيف في "اليونسكو"، أوضح حموم أن هذا النهج يشمل أيضا المساعدة المباشرة في الحالات الاستعجالية، و"التمويل المحتمل لعمليات الترميم والتثمين، بالإضافة إلى فتح مسار ملموس لتثمين تراثنا والتعريف به دوليا". كما يساهم التصنيف، حسب قوله، في تثمين والترويج لصورة الجزائر ولوجهة الجزائر، على أساس عناصر ملموسة وذات أهمية تثمينية"، من أجل إنجاح هذا "الانتقال الاقتصادي الوشيك".

تملك الجزائر سبعة عناصر مدرجة في قائمة التراث العالمي للإنسانية، وهي "قلعة بني حماد" في المسيلة، تأسست في القرن الحادي عشر، وهي أول موقع يتم إدراجه في هذه القائمة في 1980. وفي عام 1982، تم تصنيف المواقع الأثرية القديمة لكل من "جميلة" (كويكول) في سطيف و"تيمقاد" في باتنة و"تيبازة"، بالإضافة إلى المتحف الرائع المفتوح على الهواء الطلق، وعلى تاريخ البشرية طاسيلي ناجر، بما يضمه من جبال صخرية وبركانية وفن صخري ومناظر طبيعية شبيهة بتضاريس سطح القمر، وكذا محميته البيولوجية والإيكولوجية. 

في نفس العام، تم أيضا تصنيف أول حاضرة تاريخية مأهولة، هي "وادي ميزاب" في غرداية، بقصورها المحصنة التي يزيد تاريخها على الألف عام، وبما تضمه من حياة تقليدية، ليتبعها بعد عشر سنوات، تصنيف المدينة المتوسطية بامتياز قصبة الجزائر. يشرف على كل موقع من هذه المواقع، مؤسسات كبرى، على غرار الحظائر الثقافية لوادي ميزاب وطاسيلي ناجر، كما أنها تخضع لعمليات حفظ وصيانة واستغلال سياحي، يوفرها الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية.

عنصر إضافي يثري القيمة العالمية

في مقابلة مع "وأج"، أشار البروفيسور توفيق حموم، رئيس المجلس الاستشاري والعلمي والتقني لاتفاقية اليونسكو، بشأن حماية التراث العالمي المغمور بالمياه لعام 2001، إلى أن الجزائر بصفتها "دولة طرف" في هذه الاتفاقية، "أدخلت هذا البعد المتعلق بالتراث المغمور بالمياه في تقريرها الدوري سنة 2020 عن حالة حفظ هذا الممتلك"، حيث ينص بوضوح على "نية توسيع المنطقة الأثرية المحددة سابقا لتشمل المجال البحري، وفقا لقرار مركز التراث العالمي".

يوضح هذا الخبير في التراث الثقافي بمركز التراث العالمي لـ"اليونسكو" و"الإيسيسكو"، بأنه "يجري حاليا إعداد مشروع للتعرف على الموارد الأثرية المغمورة بالمياه"، تحت إشراف المركز الوطني للبحث في علم الآثار، والديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية، في إطار اتفاقيات تعاون مع جامعة "إيكس" مرسيليا (فرنسا) والبيت المتوسطي لعلوم الإنسان (فرنسا) ووزارة الثقافة والفنون. يعتبر الموقع الأثري لمدينة تيبازة القديمة، المصنف كموقع تراث عالمي من قبل "اليونسكو" في 1982، حوضا أثريا غنيا بالتراث المغمور بالمياه، وهو جانب يثري القيمة العالمية الاستثنائية لهذا الممتلك الثقافي، الأمر الذي يتطلب تدابير جديدة استعجالية للحفظ ونظرة جديدة في علم الآثار. بالنسبة لهذا الموقع الساحلي الجزائري الوحيد المُدرج في التراث العالمي لـ"اليونسكو"، يذكر حموم بأنه قام في عام 2019، لما كان على رأس المركز الوطني للبحث في علم الآثار، بمهمة لتقييم الإمكانات الأثرية المتواجدة تحت الماء (تحقيق أثري وجيو رادار متعدد الحزم الموجية) في منطقة الجزيرتين الصغيرتين، وهو مكان يشتبه في أنه كان يأوي هياكل مينائية قديمة للمدينة.

دراسة عاجلة لتقييم الإمكانات الأثرية لساحل شرشال

غير أن حموم يشير من جهة أخرى، إلى وجود ميناء بحري من العهد الروماني (القرن الرابع)، مستشهدا بمصدر تاريخي قديم، يروي قصة فتاة شابة أصيلة المكان، تم قتلها، تدعى "سالسا"، وصارت تعرف بالقديسة فيما بعد لدى سكان المنطقة آنذاك"، ويضيف حموم أن نصوصا ومصادر تاريخية أخرى، على غرار البكري (القرن الثاني عشر) ومارمول كارفاخال (القرن السادس عشر) وتوماس شو (القرن الثامن عشر)، تتحدث بدورها عن وجود أماكن أخرى لرسو السفن، مما يجعل، حسب الأكاديمي، كل خليج شنوة منطقة تراث محتمل تحت الماء نشطة منذ العصور القديمة". ومع ذلك، يعتبر الخبير أن "التحقيقات في الميدان والتوثيق بصفة منهجية وجادة ما زالت مفقودة، باستثناء بضع محاولات محدودة".

وردا على سؤال حول الإمكانات الأثرية لساحل مدينة شرشال، العاصمة الملكية القديمة لجوبا الثاني ملك موريتانيا القيصرية، أكد حموم أن المنطقة "لديها تراث مغمور بالمياه، لكنه أقل تثمينا"، وفي هذا الصدد دعا حموم إلى إجراء "دراسة عاجلة لتقييم الأثر" حتى لا يكون إنجاز مشروع الميناء الكبير للحمدانية الذي يعتبر ضروريا للتنمية الاقتصادية"، على حساب التراث الذي يمكن حفظه قبل الشروع في هذا الإنجاز". يختم حموم بالقول، إن مهمة تنقيب أثرية على كامل منطقة اليابسة التي حول الميناء وتوثيق للموقع المغمور بالمياه المحدد، قد تم تنفيذها من طرف المركز الوطني للبحث في علم الآثار في عام 2018،  مع فريق من علماء الآثار المتخصصين، موضحا في سياق كلامه، بأن توصيات قد تمت صياغتها وإحالتها إلى الدوائر المعنية، من أجل أخذ قرارات وتدابير تتعلق بالصون والحفظ.