اليوم العالمي للمتاحف
التراث الثقافي ذاكرة وطن ومسؤولية أجيال
- 156
لطيفة داريب
بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، نظم المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، أول أمس، بقصر "مصطفى باشا"، ندوة من تنشيط الأستاذات نهاد بن زغيبة، نورة حريشان وزهية بن عبد الله.
بالمناسبة، قدمت الأستاذة نورة حريشان مداخلة بعنوان "دور التراث في التنمية المستدامة. القصبة نموذجا" ذكرت فيها امتداد مدينة الجزائر العاصمة إلى ما قبل التاريخ، معرجة في ذلك إلى ضم القصبة في الحقبة العثمانية، الأسواق والمقاهي والفنادق والحمامات، بالإضافة للأسوار والأبواب التي كانت تحميها من الأعداء.
وانتقلت المتدخلة في حديثها، إلى أهمية الموروث الثقافي الذي أصبح يُنظر إليه كركيزة أساسية في اقتصاد الوطن، ومورد أساسي تقوم حوله صناعة السياحة، مضيفة أن هذا الممتلك الثقافي المصنف على الصعيد الوطني عام 1991، والتراث الإنساني عام 1992، يواجه جملة من المخاطر، لما يتعرض له من تلف وتساقط متتالي للبنايات، رغم إعطاء الدولة الأولوية لترميم هذا التراث القيم.
وتابعت أن القصبة تواجه العديد من الأخطار، منها العوامل الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات والبشرية، كأعمال الهدم والترميم الخاطئ والتخريب وغياب الوعي الاجتماعي لدى السكان بالقيمة التاريخية والجمالية للبهجة، وكذا غياب إحساسهم بالانتماء والنمو السكاني المتزايد، وعدم سهولة تدخل الدولة على مستوى الملكيات الخاصة، كلها تهدد أمن وسلامة القصبة.
كما تطرقت حريشان إلى دور المتحف في إبراز التراث العاصمي، مقدمة كمثال، المتحف الوطني للفنون والتقاليد الشعبية الذي تشتغل فيه، والذي يعمل على ضمان النشاطات المتواصلة، وتوفير المعلومة الصحيحة والمكتملة حول تاريخ القصبة وتراثها، بهدف التواصل وبناء علاقة مباشرة مع هذه الثقافة، من خلال احتضانه للمعارض الدائمة منها والمؤقتة للمقتنيات المتحفية الخاصة بالحياة اليومية، وربطها بالتراث غير المادي، علاوة على إحداث موقع مرجعی ورسمي لاحتضان اللقاءات الثقافية والفنية، وكذلك إمكانية اختبار العمل التطبيقي، في إطار الورش الخاصة بحرف القصبة، وتحسيس الشباب وتحفيز اهتماماتهم بالتراث وثرواته، من خلال ترسيخ التقاليد وإعداد الأنشطة المختلفة التي تساهم في الدعوة المتواصلة لزيارة المتحف.
ودعت الأستاذة، إلى بحث طرق إدارة التراث الثقافي بشكل اقتصادي مربح، وإنشاء مؤسسات تهتم بحماية وترقية الأحياء العتيقة، بإشراف مهندسين، الهدف منها حماية وترقية التراث الثقافي المادي وغير المادي، عبر مشاريع ترميم واسعة، لإعادة تهيئة المدينة، حتى تستجيب لمتطلبات العصرية، من خلال التعاون مع شركاء محليين والجمعيات، وكذا إبراز مكانة التراث ضمن مشاريع التنمية السياحية الكبرى.
المرشد السياحي.. صوت البلد
من جهتها، تحدثت الأستاذة نهاد بن زغيبة عن مهنتها “الإرشاد السياحي”، فقالت إنه نظرا لحبها الكبير لبلدها، ارتأت أن تدرس علم الآثار، ومن ثم، أن تتوجه إلى مهنة الإرشاد السياحي لكي تعرف السائح المحلي والأجنبي كذلك، بتراث الجزائر الثري والمتنوع، المادي منه وغير المادي. علما أن علم الآثار هو من يكشف قيمة كل جزء من تراث بلد ما.
أكدت بن زغيبة، أن أجمل ما يمكن إبرازه فيما يتعلق بتراثنا، هو التنوع الذي نجده أحيانا بين شارع وآخر، سواء في اللباس أو حتى في الأكل، وكذا في اللهجات المستعملة والعادات والتقاليد وغيرها، مشيرة إلى أن السائح الجزائري أصعب من نظيره الأجنبي، من حيث تميزه بفضول كبير ومحاولة توسيع المعلومات التي يملكها عن تراث البلد.
وأكدت المتحدثة، أن أهم دليل تقدمه للسائح الأجنبي حول جمال الجزائر، هو أن دولتنا هي عالم بأسره، نظرا لتنوع تراثه وخيراته، مشيرة إلى أهمية أن يحب المرشد السياحي بلده لكي يحسن التعريف بها، وأن يكون متمكنا في اللغات، لأنه ليس من الصعب تكوينه وتزويده بالمعلومات التاريخية، لكن يجب أن يحسن توصيلها إلى السائح، من خلال طريقة تواصل سلسة وإتقان للغات.
ودققت بن زغيبة في مفهوم المرشد السياحي، الذي يختلف عن المرافق، الذي يمكن أن يرافق السائح فقط، خاصة إذا أراد هذا الأخير التقاط صور من دون التزود بالمعلومات، مؤكدة ضرورة توفر عدة شروط، لامتهان مهنة المرشد السياحي، مثل كونه إنسانا محترما وخلوقا ويحب وطنه.
وذكرت المرشدة السياحية، اشتغالها على مسارات تختارها هي، قد تكون مختلفة عن المسارات الرسمية التي في العادة فاقدة للروح، كما تبتغي أن تأخذ السياح إلى الأسواق والأماكن العمومية، حتى يستنشق مميزات بلدنا، لتؤكد أهمية أن لا يتحدث المرشد في السياسة، ولا في الدين، بل يتناول معلومات تاريخية قد ينقلها في شكل قصصي، حتى تخلد في ذهن السائح.
كما أشارت إلى انجذاب السائح لعمارة البلد الذي يزوره ويقارنه بعمران بلدان أخرى، وهكذا سيعجب بالعمارة الجزائرية المتنوعة، والتي تعود إلى حضارات تعاقبت على هذه الأرض الطاهرة، فخلف كل حجر هناك حكاية وأسرار، مضيفة أنها تهتم أيضا بنقل الروايات المختلفة عن قصة محددة، مثل قصة “خداوج العمياء”، معتمدة في ذلك على الرواية التي يمكن للسائح تقبلها، حسب نفسيته وخصوصياته.
ونبهت المتحدثة، إلى محاولة سياح أخذ أجزاء من تراثنا المادي أو سرقته، وهو ما حدث لها، حينما طلب سائح منها أخذ قطعة من جرار مبثوثة في موقع تيديس بقسنطينة، من دون حراسة ولا حماية، وهو ما رفضته رفضا قاطعا، لتعود وتؤكد أن المرشد السياحي هو صوت تاريخ بلده، يعبر عن هويته وتراثه الذي ينقله من جيل إلى جيل .
تراث غير مادي مهدد
بالمقابل، قدمت الأستاذة زهية بن عبد الله مقاربة أنثروبولوجية واجتماعية للتراث الثقافي، الذي قالت إنه كان يرتدي حلة شفوية وقد تناقل عبر ممارسات اليومية للأفراد، وكذا خلال المناسبات، مثل صناعة الحرف وقصص الجدات وطقوس الختان والزواج والجنازات، مشيرة إلى أهمية الحفاظ على هذا التراث غير المادي.
واعتبرت المتحدثة أن كل تراث غير مادي لا يعرف الحركية والحيوية سيندثر يوما ما، فهو أكثر عرضة للنسيان من التراث المادي، لأنه محفوظ في الذاكرة، وقد لا يجد له مكانة في عصر ما، لتؤكد أن حماية التراث مسؤوليتنا جميعا، فعلينا أن ندرك من أين أتينا، حتى نعرف أين نحن ذاهبون. وأشارت إلى تعرض التراث غير المادي لتهديدات مرتبطة بعدة عوامل، مثل الأزمات السياسية والاقتصادية والتقدم التكنولوجي ورحيل حاملي التراث ومسارات التحديث والتغيير، لتعيد مطلب أهمية حمايته من الزوال.