ندوة "نداء الجزائر.. صوت الإنسانية"
الاستعمار نظام عالمي مستمر والمطلوب عدالة أخلاقية واقتصادية
- 255
دليلة مالك
أكّد متدخّلون، أوّل أمس، في ندوة فكرية بعنوان "نداء الجزائر.. صوت الإنسانية" ، أنّ آثار الاستعمار لم تنتهِ برحيل الوجود العسكري المباشر، بل اتّخذت أشكالا جديدة من الهيمنة عبر الديون، والتبعية الاقتصادية، والتحكم التكنولوجي.
وجاء ذلك خلال الندوة التي احتضنها فضاء "روح الباناف" بصالون الجزائر الدولي للكتاب الـ29، بمشاركة المؤرّخ حسني كيتوني، والباحث سعيد بوعمامة، والمفكر والمناضل التشيلي إستيبان دا سيلفا. وتناولت المداخلات الإرث الاستعماري، وتداعياته المستمرة، وسبل تحقيق العدالة التاريخية والاقتصادية للشعوب التي عانت من الهيمنة والاستغلال، حيث برزت الجزائر مرجعيةً لنضالات التحرّر، وصوتاً يدافع عن حق الشعوب في السيادة وتقرير المصير.
في هذا الصدد، قدّم الباحث سعيد بوعمامة قراءةً ترى الاستعمارَ نظاما عالميا يتجاوز الاحتلال العسكري، ويستمر عبر علاقات غير متكافئة، تقوم على المديونية، والتبعية الاقتصادية، والاختلالات النقدية والتجارية. وأوضح أنّ انتهاء الاستعمار السياسي لم يُنهِ آثاره؛ إذ لاتزال الدول النامية تواجه صعوبات بنيوية تعيق بناء استقلالها الاقتصادي، والتحكم في مقدراتها.
وتوقف عند مفهوم "التدقيق القاري" الذي يطرحه نداء الجزائر، باعتباره آلية لتقييم آثار الاستعمار اقتصاديا وماليا ومناخيا، بما يسمح بالانتقال من التنديد السياسي إلى معالجة الأضرار البنيوية. كما أبرز أهمية الربط بين تجارة الرقيق والاستعمار والفصل العنصري؛ باعتبارها منظومات مترابطة أسهمت، على مدى خمسة قرون، في تكريس التفاوت العالمي، وتراكم الثروة لدى القوى المهيمنة.
من جهته، ميّز المؤرّخ حسني كيتوني بين استعمار الاستغلال القائم على نهب الثروات دون الاستثمار في التنمية، والاستعمار الاستيطاني الذي عرفته الجزائر، واستهدف تدمير المجتمع الأصلي، وإحلال المجتمع الفرنسي مكانه. وأوضح أنّ الأوّل ترك البلدان الإفريقية في حالة إهلاك تنموي؛ بسبب غياب الاستثمار في البنى التحتية، والتعليم والصحة.
وفي الجزائر، أقام الاستعمار نظاما يميّز بين مناطق رأسمالية متطوّرة، خاصة المدن والسواحل التي تركَّز فيها الأوروبيون، ومناطق داخلية مهمّشة، عانى سكانها الفقر والحرمان. كما أشار إلى نظام ضريبي مجحف، أعفى المستوطنين، وأثقل كاهل الجزائريين؛ لتوجيه عائداته نحو تطوير مدن المعمّرين. بدوره، أكد إستيبان دا سيلفا أنّ الثورة التحريرية منذ اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954 إلى استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962، شكّلت نموذجا عالميا لمقاومة الاستعمار، ومصدر إلهام لحركات التحرر في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية.
واستحضر مجازر الثامن ماي 1945، ومظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس، إلى جانب الجرائم الاستعمارية، والتجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية، وما تطرحه من مطالب بالحقيقة، والعدالة والتعويض. واستشهد بمقولة فرانز فانون: "كل جيل يجب أن يكتشف مهمته؛ إما أن يؤديها أو يخونها"، معتبرا أن جيل المجاهدين أدى مهمته بتحرير الأرض، فيما تقع على الأجيال الحالية مسؤولية حماية الإرث، ومواصلة مسار التحرر.
كما ذكّر بدور الجزائر في إرساء مرجعيات قانونية، داعمة لحقوق الشعوب، منها القرار الأممي 1514 لسنة 1960، وإعلان الجزائر لحقوق الشعوب سنة 1976، الذي كرّس الحق في الوجود، وتقرير المصير، والسيادة على الموارد الطبيعية. ودعا إلى الانتقال من إدانة الجرائم الاستعمارية إلى وضع آليات قانونية لجبر الضرر، مستحضراً برامج الاتحاد الإفريقي في مجال العدالة، والتعويضات، وتكريم ضحايا الاستعمار، وتجارة الرقيق.
واستعاد المتحدّث محطات التضامن التاريخي بين الجزائر وتشيلي، لا سيما التقارب بين الرئيس الراحل هواري بومدين والرئيس سلفادور أليندي، في الدفاع عن السيادة الاقتصادية، والتحكم في الثروات الوطنية؛ كالنفط الجزائري، والنحاس التشيلي. وثمّن استقبال الجزائر مئات المنفيين واللاجئين السياسيين التشيليين عقب انقلاب 11 سبتمبر 1973؛ هربا من دكتاتورية بينوشي، معتبرا ذلك دليلا على أن التضامن الجزائري كان ممارسة فعلية.
وعلى صعيد القضايا الراهنة، أشاد دا سيلفا بموقف الدبلوماسية الجزائرية خلال عضويتها في مجلس الأمن للفترة 2024 - 2025، ودفاعها عن القضية الفلسطينية، وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مثمنا مواقف السفير عمار بن جامع الرافضة للحلول المفروضة، وتكريس الأمر الواقع الاستعماري.