دكاترة يقرون في ندوة المجلس الإسلامي الأعلى:

الإستراتيجية الفرنسية الكولونيالية لم تمت سنة 1962

الإستراتيجية الفرنسية الكولونيالية لم تمت سنة 1962
  • 2825
لطيفة داريب لطيفة داريب

أجمع الدكاترة المشاركون في الندوة التي نظمها المجلس الإسلامي الأعلى، أمس، بمقره، تحت عنوان «تاريخ إستراتيجية الاستعمار في الجزائر»، على تأثير المدرسة الكولونيالية الفرنسية المتواصل على المجتمع الجزائري.

نشط كل من الدكاترة، جمال يحياوي، محمد بلغيث، محمد أرزقي فراد وسعيد عيادي، ندوة نظمها المجلس الإسلامي الأعلى، بعنوان «تاريخ إستراتيجية الاستعمار في الجزائر»، والبداية بالدكتور جمال يحياوي الذي أشار إلى تركيز فرنسا المستعمرة على نقطتين تخص الجزائر، الأولى تتعلق بالأرض والثانية مرتبطة بالإنسان، هادفة من خلال ذلك إلى إفراغ الأرض من كل الجزائريين المقاومين للمحتل، فقامت بعمليات الإبادة التي خططت لها من خلال طروحات قدمها منظرون لإقناع الجيش بضرورة إبادة المجتمع الجزائري.

وأضاف يحياوي، أن السياسة الفرنسية هذه، فشلت، رغم قنبلة العديد من المدن وإحراقها، لتعوضها سياسات أخرى وهي جلب مسيحيين من دول أوروبية وتهجير ونفي الجزائريين إلى دول مختلفة، بغية إبادة العنصر البشري. بالمقابل، أقرّت دراسات فرنسية عن تعلق الجزائري بأرضه، فتم تطبيق سياسة جديدة تتمثل في وضع ألقاب لعائلات لفصلها عن القبيلة الأم، وشرعوا في تطبيق خطتهم فأطلقوا ألقابا تعنى بجسم الإنسان وبعدها بمعوقاته مثل «بكوش» فاللباس والأدوات التي يستعملها، ومع ذلك فقد فشلت سياستها، حتى الأخيرة منها والرامية إلى تقسيم الجزائر إلى فيدراليات.

من جهته، اعتبر الدكتور الأمين بلغيث، أن اللغة الفرنسية، غنيمة مسمومة، معتبرا أن المدرسة الكولونيالية، ما تزال تأثيراتها إلى اللحظة بفعل أشخاص يدافعون عنها، حتى فيما يخص مصالحها الاقتصادية، لينتقل إلى هدف فرنسا المحتلة في تفتيت الطرق الصوفية لما لهذه الأخيرة من أهمية بالغة في توحيد صفوف الجزائريين، مؤكدا وقوف طرق صوفية وفي مقدمتها الطريقة الرحمانية، ضد المستعمر الفرنسي. كما أشار الدكتور إلى اعتماد فرنسا على عشرين إلى ثلاثين مختبرا، لدراسة خصائص الجزائريين، حينما احتلت الجزائر، فكانت نتيجة الدراسات أن الجزائريين جنس خاص، فهم ليسوا بالإنس ولا بالحيوان، لينتقل الأستاذ إلى الأمر الثاني الذي اشتغلت عليه فرنسا، وهو فرنسة الجزائريين أي تحويل اللسان الجزائري من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية، كما عملت بجد على التفريق بين أطياف المجتمع الجزائري، مثل التفرقة بين العربي والبربري أو بين التابع للمذهب الإباضي ونظيره الملكي.

كما تطرق بلغيث إلى محاولات فرنسا الراهنة في تجديد مكانة اللغة الفرنسية في المراحل التعليمية، أبعد من ذلك - يقول الدكتور - تحاول أن تستفز الجيش الوطني الشعبي، بدون نتيجة، مقدما أمثلة بتدخلها في منطقة الساحل وكذا في قضية الفدية.

أما الدكتور  محمد أرزقي فراد، فقد أجاب بالنفي على تساؤل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، بوعلام الله غلام الله، وهو «هل انتهينا مع قضية الاستعمار في سنة 1962؟»، مستطردا قوله، «لقد استرجعنا الأرض وأصبحت لدينا سيادة لكننا مازلنا نتجرع مخلفات المدرسة الكولونيالية»، ليتساءل بدوره «ماذا فعلنا منذ أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال من أجل تخليص أبنائنا من المدرسة الكولونيالية التي عملت على تفتيت المجتمع؟»، وذكر فراد، المختص الفرنسي في علم الاجتماع، أوجان دوما الذي عاش في الفترة الممتدة من 1801و1871، حيث كتب عدة كتب عن الجزائر وبالأخص عن منطقة القبائل، فكان أول كتاب له بعنوان: «القبائل الكبرى» سنة 1874، ثم كتب تقريرا مفصلا دائما عن منطقة القبائل سلمه للماريشال روندو، وطلب منه الاعتماد عليه لتفكيك المجتمع الجزائري وتجسيدا لسياسة فرنسا، الرامية إلى تحطيم الذات الثقافية الجزائرية وتكريسا لسياسة «فرق تسد».

وأكد فراد، وجود يد للمدرسة الكولونيالية فيما يعيشه الجزائريون اليوم، بدون أن ينكر مسؤولية الجزائريين في حدا ذاتهم، ليقدم مثال عن إعادة طبع تقرير دوما، خلال الربيع الأسود الذي عاشته منطقة القبائل سنة2001، هذا التقرير يذم العنصر العربي ويمدح العنصر البربري، ليعود ويؤكد أن إستراتيجية المستعمر الفرنسي لم تنته سنة 1962.

واعتبر فراد أن كتابات المستعمر الفرنسي ما عدا، الكتب العلمية، تعبّر كالسم في الدسم، فقامت مثلا بغلق المعالم الإسلامية في منطقة القبائل، كما حاولت ترويج أكذوبة تتمثل في تناقض العرف في هذه المنطقة بالشريعة الإسلامية، رغم أن القبائل كانوا يعتبرون المذهب المالكي بمثابة محكمة عليا يلجؤون إليها في حال لم يحقق العرف، غرضه.

وفي هذا السياق، أنجزت فرنسا المستعمرة، خمسين بالمائة من مدارسها في منطقة القبائل، وهو ما تفطن إليه الراحل توفيق مدني الذي كتب عن هذا الموضوع سنة 1931 بمناسبة احتفال المستعمر بمرور 100 سنة على احتلاله للجزائر، لينتقل فراد إلى نضال جمعية العلماء المسلمين، الذي قال إنه كان حقيقيا، فالجمعية لا يمكن لها أن تقدم خطابا سياسيا لأنها ليست بحزب سياسي.

المحاضر الأخير في هذه الندوة، كان الدكتور سعيد عيادي، الذي ختم أن فرنسا استعانت برجلين من إيرلندا، لتقديم تفاصيل وافرة عن المجتمع الجزائري قبل أن تقوم باحتلاله، وكان لها ذلك، ليتحدث عن أفاعيل المستعمر الفرنسي في منطقة الجنوب وتلقيه مقاومة شديدة من الرجل الأزرق.

لطيفة داريب