خبراء وأثريون يثمّنون القرار
استكمال بناء الصرح المؤسّساتي في المجال الثقافي
- 387
مريم. ن
رحّب خبراء وأثريون بقرار رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، القاضي بإنشاء وكالة وطنية للآثار تتمتع بالاستقلالية عن مختلف الإدارات، وتكون تحت الوصاية المباشرة للرئاسة، تهدف لإعادة بعث ديناميكية البحث والاستكشاف الأثري، وتمكين العلماء والباحثين الجزائريين من مواصلة أعمال الحفر والتنقيب؛ لاكتشاف المزيد من الشواهد الأثرية المرتبطة بمختلف الحقب التاريخية التي عرفتها الجزائر. وصرح هؤلاء الخبراء لـ "المساء" ، عن الآمال التي يعقدونها على هذا القرار، وأثره على ترقية ميدان الآثار في الجزائر.
الأستاذ الدكتور عثمان مفتاح مدير معهد الآثار (جامعة الجزائر2): القرار يعكس الرؤية السديدة للقيادة السياسية
أشار الدكتور عثمان مفتاح مدير معهد الآثار بجامعة الجزائر، إلى أنه تلقّى ببالغ الاعتزاز والافتخار، قرار رئاسة الجمهورية القاضي بإنشاء "الوكالة الوطنية للآثار" . وهو القرار الذي يترجم الرؤية السديدة للقيادة السياسية في تثمين الهوية الوطنية، وحماية الذاكرة التاريخية لبلادنا.
وأضاف الدكتور: "بصفتنا في إدارة معهد الآثار، لا يسعنا إلا أن نرحب وبأشد العبارات، بهذه الخطوة العملاقة، مؤكدين دعمنا الكامل، وتفاؤلنا الكبير بإنشاء هذه الهيئة السيادية، ومتمنين لها كل التوفيق والنجاح في مهامها النبيلة" . كما أكد أن إنشاء مجلس أعلى للآثار في هذا التوقيت بالذات، يكتسي "أهمية استراتيجية بالغة للدولة الجزائرية "، تكمن أبرز أبعادها في توحيد الرؤى والجهود؛ إذ يشكل المجلس مظلة وطنية، تجمع بين الإرادة السياسية، والخبرة الأكاديمية البحثية، والجهد التنفيذي الميداني، ما ينهي تشتُّت الجهود، ويدفع بنجاعة تسيير القطاع، إلى جانب حماية الأمن الثقافي والقومي؛ فالجزائر بمساحتها الشاسعة تملك مخزوناً أثرياً هائلاً يمتد من فترات ما قبل التاريخ إلى العصور الإسلامية والحديثة.
هذا المجلس سيكون الحصن المنيع لحماية هذا الإرث من النهب، والتشويه، والتهريب، وصون الذاكرة الجماعية، علاوة على الارتقاء بالبحث العلمي، سيعطي المجلس دفعاً قوياً للمشاريع الاستكشافية وعمليات التنقيب بفضل التنسيق العالي. وسيمد الجسور بين مخابر البحث العلمي في الجامعات ومراكز صناعة القرار وكذا الاستثمار الاقتصادي والسياحي؛ إذ يمثل التراث الأثري رافداً حقيقياً للاقتصاد البديل (السياحة الثقافية). والمجالس السيادية من هذا الحجم كفيلة بوضع استراتيجيات تحوّل المواقع الأثرية إلى قطب تنموي مستدام، يساهم في الدخل الوطني.
وصرح المتحدث قائلا: " إننا في معهد الآثار وإذ نجدّد ترحيبنا الخالص ومباركتنا الفخورة بهذا الصرح التأسيسي الجديد، نؤكد جاهزيتنا التامة، ومسؤوليتنا العلمية لتقديم كل الدعم الاستشاري والأكاديمي، ووضع كفاءات المعهد وإطاراته في خدمة أهداف الوكالة الوطنية للآثار، لتبقى الجزائر دائماً منارةً لتاريخها، وحاضرةً بإرثها الإنساني العظيم. وفّق الله الجميع لما فيه خير وازدهار وطننا العزيز".
الدكتورة عائشة حنفي (معهد الآثار جامعة الجزائر): الخطوة تعكس المكانة التي يحظى بها التراث الثقافي والأثري
أشارت محدثة "المساء" الدكتورة عائشة حنفي قائلة: "بصفتي أستاذة وباحثة في علم الآثار، أستقبل باهتمام كبير، قرار إنشاء وكالة وطنية للآثار تابعة لرئاسة الجمهورية، باعتباره خطوة مهمة تعكس المكانة التي يحظى بها التراث الثقافي والأثري ضمن التوجهات الاستراتيجية للدولة الجزائرية". وأوضحت أن هذا القرار يمثّل آلية مؤسساتية، من شأنها أن تعزز جهود حماية التراث الوطني، وتثمينه، وأن توفر إطارا أكثر فعالية لتنسيق السياسات المتعلقة بالبحث الأثري، وصون الممتلكات الثقافية، ومتابعة عمليات الجرد والتوثيق، والحفاظ على المواقع والمعالم التاريخية.
كما يعكس هذا التوجه، حسبها، وعيا متزايدا بأهمية التراث الثقافي؛ بوصفه أحد المقومات الأساسية للهوية الوطنية، ورافدا مهمّا للتنمية الثقافية والعلمية والسياحية، فالجزائر تزخر برصيد حضاري استثنائي يمتد عبر مختلف الحقب التاريخية، الأمر الذي يستدعي توفير آليات مؤسساتية، قادرة على ضمان حمايته واستثماره وفق رؤية علمية مستدامة. وأكدت الدكتورة حنفي أن من المنتظر أن يساهم إنشاء هذه الوكالة في دعم البحث الأثري، وتطوير برامج التنقيب والدراسة الميدانية، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة في التوثيق والحفظ، فضلا عن تعزيز التعاون بين المؤسسات الجامعية، ومراكز البحث، والهيئات المكلفة بتسيير التراث الثقافي.
كما يشكل هذا القرار، وفق المتحدثة، حافزا مهمّا للباحثين والمتخصصين في مجال الآثار والتراث، لما يوفره من آفاق جديدة لتطوير البحث العلمي، وتثمين نتائجه، وربط المعرفة الأكاديمية بالاحتياجات الفعلية لقطاع التراث. وأضافت: "في الختام، فإن نجاح هذه المبادرة يظل رهينا بتضافر جهود مختلف الفاعلين من مؤسسات علمية وثقافية وإدارية، والعمل المشترك من أجل حماية التراث الوطني والمحافظة عليه، ونقله إلى الأجيال القادمة؛ باعتباره جزءا أصيلا من الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية للجزائر ".
البروفيسور عيساوي بوعكاز (أستاذ علم الآثار بجامعة الجلفة وباحث في التراث): الآثار في الاتجاه الصحيح
أكد البروفيسور عيساوي بوعكاز، أستاذ علم الآثار بجامعة الجلفة، وباحث في التراث، في تصريح لـ"المساء"، بالقول: "لطالما نادينا بهيئة خاصة تعنى بالآثار في الجزائر، مثل ما هو مجسّد في عديد الدول، وكنا في عديد المنابر والملتقيات العلمية والثقافية، نوصي بإفراد وزارة لها أو هيئة عليا تشرف عليها رئاسة الجمهورية، واليوم نستبشر خيرا بهذا الخبر السار والجميل، بعزم الدولة إنشاء الوكالة الوطنية للآثار، إننا إذ نثمن ونبارك هذا القرار الاستراتيجي لرئاسة الجمهورية الجزائرية، ونعتبره استكمالا لبناء الصرح المؤسساتي في المجال الثقافي، فإننا نؤمن أنّ المؤسّسات العامة القوية ضرورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة".
وأوضح محدّث "المساء"، أنّ التداخل المؤسّساتي أحيانا في مجال الآثار، وتأخّر مواكبة القوانين وتحديثها، خاصة وأنّ الجزائر تعرف تخلّفا في القوانين المتعلقة بالأثار (لا يوجد تحيين منذ 1998 )- فوّت على الجزائر فرصا عديدة، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المنشودة، والنهوض بالجزائر في مجالات التراث الثقافي عموما، ومجال التراث الأثري خاصة، ولذلك يضيف "نأمل أن تضطلع الوكالة الوطنية للآثار بحماية وصون هذا التراث الأثري، من خلال تسطير رؤية استراتيجية وطنية شاملة، واستشرافية، للاستفادة من هذا التراث الأثري على جميع الأصعدة القيمية والحضارية، وحتى الاقتصادية، لبناء الفرد الجزائري القوي المعتز بتراثه والمساهم في بناء وطنه."
وقال أيضا: "في اعتقادنا، فإنّ مهام الوكالة تتعدى مواكبة القوانين وتحديثها، خاصة مع التسارع والتطور الرقمي الرهيب، بل تتعداها إلى الوقوف على مكامن العجز، وتشخيص مشاكل القطاع وتنفيذ البرامج والحفريات، وإجراء المسوحات ونشر الدراسات وصون الممتلكات الثقافية، ونتوق مجدّدا أن تتظافر جهود الأثريين الجزائريين، والنخب العلمية في جميع الميادين، للنهوض بهذا القطاع الحيوي والرقي بالجزائر في مصاف الأمم القوية".
الدكتور حكيم طاهري (الوكالة الوطنية الجزائرية للآثار): شكرا لقرار رئيس الجمهورية
ثمن الدكتور حكيم طاهري، من الوكالة الوطنية الجزائرية للآثار، قرار السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، المتعلّق بإنشاء الوكالة الوطنية للآثار (الوكالة الوطنية للآثار التابعة لرئاسة الجمهورية)، معتبرا هذه الخطوة مكسبا وطنيا مهما، من أجل حماية التراث الأثري الجزائري، وتعزيز مكانته العلمية والثقافية، وتسويقه عالميا بما يليق بتاريخ الجزائر العريق.
وأكّد بالقول "وقد تجلى اهتمام الدولة بالتراث الحضاري في العديد من المناسبات، حيث حرص السيد رئيس الجمهورية، على إبراز ما تزخر به الجزائر من معالم ومواقع أثرية ذات قيمة إنسانية عالمية، وعلى رأسها إرث القديس أوغسطينوس، الذي يعدّ من أبرز الشخصيات الفكرية والدينية التي أنجبتها أرض الجزائر."
كما يواصل علماء الآثار الجزائريون، حسب المتحدث، جهودهم العلمية المتميزة في مختلف المواقع الأثرية، على غرار تغنيف وعين الحنش، حيث أسهمت الأبحاث والاكتشافات التي يقودها الباحثون الجزائريون، ومن بينهم محمد سحنوني، في إعادة النظر في العديد من المعطيات التاريخية المتعلقة بأصول الإنسان وتطوره في شمال إفريقيا. كما أنّ إنشاء هذه الوكالة، يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى منح الآثار مكانتها الحقيقية، باعتبارها رافدا اقتصاديا وسياحيا وثقافيا، وأداة فعالة في بناء الوعي التاريخي لدى الأجيال القادمة، وتعزيز الانتماء الوطني. بالمناسبة، بارك المتحدّث هذه المبادرة الطموحة، قائلا "نجدد استعدادنا للمساهمة في خدمة التراث الوطني، والمحافظة على ذاكرة الجزائر الحضارية، شكرا للسيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون."
الباحث عز الدين قرفي: قرار طال انتظاره
أشار الباحث والكاتب عز الدين قرفي، إلى أنّ إنشاء الوكالة الوطنية للآثار قرار طال انتظاره، قائلا "بل أقول إنّه كان ضرورة، وأنا أزن هذه الكلمة جيدا". ليضيف "ما تأمله المجتمع المدني والمتخصّصون منذ سنوات، هو بالضبط هذا: أن يُوضع هذا الملف الكبير تحت إشراف مؤسّسة مستقرة ودائمة، سلطتها ومهامها لا تتوقّف على تغييرات الحكومات، لقد عشنا جميعاً، على أرض الواقع، تداعيات هذه الهشاشة المؤسّسية، مشاريع أُقرّت بالإجماع، ثم عادت إلى الأدراج عند أول تعديل وزاري، ثم تبخّرت برحيل من نطق بها، وكالة وطنية تعمل تحت سلطة أعلى مؤسسة في البلاد، تعني أن التزامات الدولة ستتجاوز أخيراً التحولات السياسية، وتبقى قائمة بغض النظر عمّن يتولى المسؤولية".
ليضيف أيضا "وهذا أيضا ـ وأنا أولي له أهمية بالغة ـ فرصة حقيقية لتطوير علم الآثار الوقائي في الجزائر، قبل إطلاق أي مشروع بنية تحتية كبرى ـ طريق، سدّ، منطقة صناعية ـ ينبغي أن يكون إجراء دراسة أثرية للموقع أمراً إلزامياً. كم من موقع اختفى تحت أوراش البناء دون أن يتنبه أحد؟ كم من ذاكرة دُفنت إلى الأبد تحت الإسفلت؟ علم الآثار الوقائي ليس عائقاً أمام التنمية ـ بل هو شرط من شروط كرامتها".
قال قرفي "وأخيراً ـ وهذه ربما النقطة التي أشدد عليها أكثر من غيرها ـ أتمنى بصدق أن تضمّ هذه الوكالة في هياكلها ممثلين عن المجتمع المدني. ليس بوصفهم مراقبين، بل فاعلين حقيقيين. هم من يعملون في الميدان. هم من يعرفون واقع المواقع، والتهديدات الفعلية، والحالات الطارئة غير المرئية التي لا تلتقطها التقارير الإدارية أبدا. وكالة وطنية تعمل بمعزل عن المجتمع المدني ستفوّت عليها الجوهر. هذا القرار الرئاسي فرصة تاريخية. يقع على عاتقنا جميعاً ـ مؤسسات ومجتمعاً مدنياً ومتخصصين ـ ألّا ندعها تمرّ دون أن نغتنمها.
نادي "الأثر" بجامعة الجزائر:
خطوة منتظرة منذ سنوات
ردًا على استفسار جريدة "المساء"، بخصوص قرار رئيس الجمهورية، القاضي باستحداث الوكالة الوطنية للآثار وإلحاقها برئاسة الجمهورية، رحّب نادي الأثر بجامعة الجزائر "2" بهذا القرار، ويعتبره خطوة هامة ومنتظرة منذ سنوات، تأتي تتويجا للاهتمام المتزايد الذي توليه الدولة بالتراث الوطني، فإلحاق الوكالة مباشرة برئاسة الجمهورية يعكس إرادة سياسية واضحة، لإعطاء ملف الآثار البعد الاستراتيجي الذي يستحقه، خاصة وأنّ الجزائر تزخر بمئات المواقع الأثرية الموزعة عبر مختلف ولايات الوطن، والتي تشهد على تعاقب حضارات متعددة عبر آلاف السنين. وفي هذا الإطار، يأمل النادي أن تترجم هذه الوكالة، فور دخولها حيز التنفيذ الفعلي، إلى تعزيز الحماية القانونية والميدانية للمواقع الأثرية، المهددة بالإهمال أو الزحف العمراني.
إنجاز جرد وطني شامل ورقمنة الممتلكات الأثرية، لتسهيل دراستها وحفظها وتثمينها. فتح المجال أمام الطلبة والباحثين الجزائريين، عبر شراكات مع الجامعات ونوادي التراث، للمشاركة في أعمال التنقيب، والترميم والتكوين الميداني، فضلا عن دعم تثمين المواقع الأثرية سياحيًا وثقافيًا، بما يخدم التنمية المحلية، ويساهم في خلق فرص العمل. وتخصيص الموارد البشرية والمالية الكافية لضمان نجاعة عمل الوكالة على أرض الواقع، وعدم بقاء القرار حبرًا على ورق. وجدّد نادي الأثر استعداده الكامل للانخراط والمساهمة، بصفته فاعلًا جامعيًا مهتمًا بالتراث، في كل مبادرة تخدم صون الذاكرة الأثرية والحضارية للجزائر، ويتمنى التوفيق لهذه الوكالة في أداء مهامها.